وطن-في مشهدٍ يعكس تصاعد جنون الحروب، بدأت دوامة العنف في إيران تمتدّ إلى ما يتجاوز حدود الصراع التقليدي، لتتحوّل إلى أزمة إقليمية تهدد بتغيير ملامح الشرق الأوسط بأكمله. وبينما تتواصل الضربات الجوية المتبادلة منذ فبراير 2026، يخرج صوت خبير دولي يُذكّر العالم بأن ما يحدث ليس تكرارًا لأخطاء الماضي، بل تضخيمٌ لها على نحو غير مسبوق.
محمد البرادعي، المدير الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والحائز على جائزة نوبل للسلام، يرى أن مأساة العراق قبل عقدين تتكرر اليوم في إيران، لكن بصيغة أشد فوضى وأقل احترامًا للقانون الدولي. يقول بمرارة: “لم يعد التاريخ يعيد نفسه فقط، بل أصبح يضخّم أخطاءه.”
خديعة جديدة… وملف استخباراتي زائف
كشفت تسريبات من أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل أن قرار شنّ الهجوم على إيران مطلع هذا العام استند إلى معلومات مغلوطة صاغها مدير الموساد دافيد برنيا. وقدّم برنيا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عرضًا مفاده أن بدء الحرب الجوية سيُشعل انتفاضة داخلية تطيح بالنظام الإيراني، وهي فرضية لم تصمد ساعة واحدة بعد القصف الأول.
ففي غضون دقائق من الضربة التي أودت بحياة أكثر من أربعين جنرالًا إيرانيًا وأصابت المرشد الأعلى محمد مجتبى خامنئي بجروح بالغة، بدأت إيران ردّها الواسع عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة. لتتحول الحرب سريعًا من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي شامل.
حرب غير متكافئة وتداعيات عالمية
على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها طهران، حافظت على قدرة مدهشة في استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو أهداف إسرائيلية وأمريكية، وأغلقت فعليًا مضيق هرمز، ما شلّ خمس تجارة الطاقة العالمية.
الرد الإيراني وُصف بأنه “حرب لا خطوط لها”؛ إذ امتد من المنشآت النفطية إلى القواعد العسكرية، ومن البحر إلى الجو، لتصبح المنطقة بأكملها في حالة اشتعال دائم.
البرادعي: القوانين الدولية تحت الركام
في حديثه من فيينا، يستعيد البرادعي مشهد الحرب على العراق عام 2003 حين كان شاهدًا على “ملف أكاذيب” مشابه. ويقول بأسى: “في العراق لم نجد برنامجًا نوويًا أو كيميائيًا أو بيولوجيًا، ومع ذلك دُمِّرت البلاد وسقط مئات الآلاف من الأبرياء. واليوم يتكرر المشهد ذاته مع إيران.”
لكن ما يراه البرادعي اليوم أشد وطأة، إذ لم تعد واشنطن تُكلّف نفسها عناء التذرع بالقانون الدولي. “الإدارة الأمريكية الحالية لا تعترف بوجود الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، وتتعامل مع القانون الدولي كأنه عبء يجب التخلص منه”، يضيف بوضوح.
ويشير إلى أن النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي أسّس لفكرة العدالة عبر المؤسسات القضائية الدولية، يتعرض اليوم للتقويض على يد من صنعوه. فالمحكمة الجنائية الدولية نفسها تواجه ضغوطًا غربية لإسكات قضاتها بعد إصدار أوامر توقيف بحق قادة إسرائيليين.
أوروبا… الغائب الأكبر
يرى البرادعي أن أوروبا فقدت دورها في موازنة القوى العالمية. فبعد غزة ولبنان، والآن إيران، لم تعد القارة قادرة على فرض أي نفوذ سياسي أو أخلاقي. في رأيه، “حين يسقط العملاق الأمريكي، ستكتشف أوروبا أنها بلا حماية ولا تأثير، بعد أن أفرغت القانون الدولي من معناه”.
ويتابع قائلًا إنّ الشعوب في الجنوب العالمي فقدت ثقتها بالتحالف الغربي “الذي خدعها يومًا بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تركها تواجه مصيرها”.
عودة الغضب العربي
ورغم سوداوية المشهد، يؤكد البرادعي يقينه بأن التغيير قادم: “الربيع العربي لم يمت. المطالب التي خرج الناس من أجلها – العدالة والحرية والتنمية – ما زالت قائمة، بل اتسعت جذورها.”
ويحذر من أن استمرار القمع واغتيال الأصوات الحرة والوسطاء السياسيين لن يولد سوى موجات جديدة من الغضب، قد تنفجر في أي لحظة.
نداء أخير قبل الانفجار
يرى البرادعي أنّ ما يجري ليس مجرد حرب على إيران، بل محاولة لإعادة تشكيل كامل للمنطقة بالقوة. ومع انهيار احترام القانون الدولي، سيصبح العالم، كما يقول، “مكانًا لا يحكمه سوى منطق السلاح”.
ويختم حديثه بنبرة حزن وتحذير: “حين تكسرون كل قاعدة وتدمرون كل قيمة، لا تتوقعوا أن يردّ المظلومون بابتسامة. سيأتي زمن تدور فيه الدائرة… وحينها لن يجد الغرب من يحميه بالقانون الذي وأده بيديه.”
قد يعجبك
خبير إيراني يُحذر: طهران مستعدة للسيطرة على البحرين وسواحل الإمارات في حال ارتكبت واشنطن “أي خطأ”
أزمة الشرق الأوسط تتصاعد: صواريخ إيران تفتح جبهات جديدة












