وطن-على ركبتَي جدّته التي تحتضنه بقلق، يجلس الطفل جواد أبو نصّار، البالغ عامًا وتسعة أشهر، بعد أيام لا تُمحى من الذاكرة. لم يكن أحد في مخيم المغازي وسط قطاع غزة يتخيّل أن خروج الأب وطفله لشراء الحلوى استعدادًا لعيد الفطر سيتحوّل إلى مأساة تُغرق العائلة في صدمة لا تنتهي.
في التاسع عشر من مارس/آذار، غادر الشاب أسامة أبو نصّار، البالغ 25 عامًا، منزله المدمَّر بعد حرب أنهكت عائلته، ممسكًا بيد طفله الصغير. بعدها بساعات، صار الاثنان في عداد المفقودين. بعد عشر ساعات طويلة، أُعيد الطفل فقط — وسط علامات جسدية قالت الأسرة إنّها تُشبه آثار تعذيب.
فقدان أب وعودة طفل مصاب
يروي الجد محمد حسني أبو نصّار أنّ ابنه بدا مضطربًا عندما غادر المنزل، متجهًا شرقًا نحو منطقة قريبة من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهي منطقة حدودية يمنع المدنيون من الاقتراب منها وتُعدّ تحت مراقبة القوات الإسرائيلية. حاول الأب اللحاق به، لكن الجيران أخبروه أنّ أسامة وصل بالفعل إلى محيط الموقع العسكري.
بحسب شهود عيان، اقتربت طائرة مسيّرة صغيرة من الأسرة، فأنزل أسامة طفله على الأرض، خلع ثيابه باستثناء سرواله القصير، وتقدّم بهدوء نحو الجنود دون مقاومة أو تهديد. بعد ذلك، لم يُعثر له على أثر.
نداء استغاثة وجواب أحمر
يقول الجد إنّه توجّه إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، تاركًا رقم هاتفه لأي معلومة عن ولده وحفيده. وبعد مرور نحو عشر ساعات، جاءه اتصال من اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أنّ الطفل في عهدتها.
“جرينا إلى السوق الكبير في المغازي، حيث كان موظفو الصليب الأحمر ينتظروننا”، يروي الجد، “سلّمونا الطفل ملفوفًا ببطانية طوارئ، وعندما فتحتها رأيت بقع دم على سرواله الصغير”.
أوضح ممثل اللجنة أنّ الدم يعود لإصابة في كتف والده، دون مزيد من التفاصيل. وفي بيان إعلامي، أكّد متحدث باسم اللجنة تسلّم الطفل من السلطات الإسرائيلية وإعادته إلى عائلته، رافضًا التعليق على حالته الجسدية أو النفسية احترامًا لخصوصيته.
علامات مؤلمة على جسد صغير
بعد عودته إلى المنزل، حاولت العائلة معرفة ما حدث. لم يتمكن الصغير من التعبير سوى بكلمة واحدة مكسورة: “دم”. وعندما سُئل عن والده، أجاب فقط: “راح”. احتضنته أمه فصرخ وبكى بلا توقف.
حين أزالت ثيابه لاحظت وجود جروح وحروق حول ركبتيه وبينها إصابة نافذة تبدو ناتجة عن جسم حاد. وفي صباح اليوم التالي، وهو أول أيام العيد، توجهت الأسرة إلى المستشفى بدلًا من زيارة الأقارب.
قال الجد: “أخبرنا الأطباء أنّ الإصابات لا تشبه شظايا أو طلقات، بل تتطابق مع آثار تعذيب وحروق سجائر”. وقد أكدت التقارير الطبية وجود تورّم في الركبتين وجروح سطحية عميقة يُرجّح أنّها ناجمة عن مصادر حرارية مباشرة.
الصور التي اطّلع عليها الطاقم الطبي أظهرت أيضًا جرحًا عميقًا في الساق ومواضع حروق دائرية متفرقة. منذ ذلك اليوم، لم يعد الصغير ينام بسلام؛ يعاني من حرارة مرتفعة وتقيّؤ ونوبات بكاء متواصلة، ولا يفارق أمه لحظة واحدة.
الاتهامات والردّ العسكري
يرى الجد أنّ الجنود ربما أساؤوا تقدير حالة والده النفسية، وحاولوا الضغط عليه عبر إيذاء طفله، لكنهم أطلقوا الطفل لاحقًا حين أدركوا أنّ الأب لم يعد يستجيب.
في المقابل، نفت متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي كل الاتهامات قائلة إنّها “ادعاءات لا أساس لها وتخدم دعاية حماس”، مؤكدة أن الطفل “أُنقذ من منطقة خطرة استُخدم فيها كدرع بشري”، وأن القوات “قدّمت له الرعاية اللازمة إلى حين تسليمه للجنة الدولية للصليب الأحمر”.
واقع متكرر عند حدود “الخط الأصفر”
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الفائت، يُسجَّل على امتداد المنطقة الحدودية سقوط عشرات الفلسطينيين بين قتيل وجريح ومعتقل. كثير منهم تحدّثوا بعد الإفراج عنهم عن تعرّضهم لانتهاكات جسدية ونفسية أثناء الاحتجاز.
قصة جواد ليست فصلًا معزولًا، بل صورة أخرى لمعاناة مدنيين يجدون أنفسهم وسط خطوط النار بلا حماية ولا مساءلة. وبينما تبحث الأسرة عن أثر الأب المفقود، تواصل الأم محاولة تطمين صغيرها – وهي تدرك أن بعض الجروح تحتاج أكثر من علاج جسدي كي تلتئم.
تسلّط حكاية جواد الضوء على هشاشة الطفولة تحت الحصار والحرب، وعلى الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه الأبرياء في أماكن النزاع. يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة الأمان لطفل فقد والده وبراءته في لحظة واحدة؟
اقرأ المزيد
بالأرقام.. أكبر عملية تهجير قسري للفلسطينيين في الضفة الغربية منذ عقود
الأقصى في “غلالة سوداء”.. إغلاق المسجد أمام المصلين يكتب فصلاً مظلماً في تاريخ فلسطين
تقرير حقوقي يحذر: إسرائيل تسعى لـ “محو” الهوية الإسلامية في فلسطين وتدمير ممنهج للمساجد
تقرير حقوقي يحذر: إسرائيل تسعى لـ “محو” الهوية الإسلامية في فلسطين وتدمير ممنهج للمساجد
الموت الصامت في غزة: كيف تقتل القيود الإسرائيلية المرضى بعيداً عن القصف؟












