وطن-في تصريحات أثارت جدلاً واسعًا داخل بريطانيا وخارجها، هاجم رودي جولياني، عمدة نيويورك السابق والمحامي الشخصي للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، المسلمين في المملكة المتحدة، متحدثًا بعبارات مسيئة للطائفة الإسلامية وللقرآن الكريم خلال مقابلة تلفزيونية مع الصحفي البريطاني بيرس مورغان.
وجاءت تصريحات جولياني أثناء حديثه على قناة مورغان في “يوتيوب”، حيث زعم أن “المسلمين يسعون للسيطرة على بريطانيا”، وادّعى أن العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث “قد يكون مسلمًا سرًا”، وربط بين ما وصفه بـ”النفوذ الإسلامي في أوروبا” وبين الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، معتبرًا الجمهورية الإسلامية الإيرانية “المحرك الأساس وراء ذلك”.
اتهامات بلا سند
هذه المزاعم التي أعاد جولياني تكرارها تعكس نظرية مؤامرة منتشرة في بعض الأوساط، تزعم أن الملك البريطاني اعتنق الإسلام سرًا. غير أن الحقائق التاريخية والمواقف المعلنة لتشارلز الثالث تنقض هذه الادعاءات. فالملك، وهو رأس الكنيسة الأنغليكانية، يُعرف باهتمامه العميق بالأديان وبالإسلام على وجه الخصوص، وقد درس اللغة العربية ليقرأ القرآن بلغته الأصلية، ورأى دومًا أن الإسلام واليهودية والمسيحية تشترك في قيم روحية وإنسانية كبرى.
بين الكراهية والتعايش
وفي تناقض صارخ مع رؤية الملك، استخدم جولياني في حديثه لغة تحمل نزعة معادية للمسلمين، إذ وصف الشريعة الإسلامية بأنها “عبادة موت”، وزعم أن لها تأثيرًا على النظام القانوني البريطاني، رغم أن الشريعة ليست جزءًا من الإطار القانوني الرسمي في البلاد. وتوجد في المملكة المتحدة بالفعل مجالس استشارية تحمل اسم “مجالس الشريعة”، وعددها نحو 85، لكنها لا تمتلك أي سلطة قضائية أو صلاحيات تنفيذية.
وفي إطار محاولته تضخيم الصورة، قلّل جولياني من أهمية الأرقام التي تشير إلى أن المسلمين لا يشكلون سوى نحو 5% من سكان بريطانيا، مدعيًا أنهم “يمتلكون نفوذًا واسعًا” داخل الحياة السياسية. واستشهد بوجود عدد من رؤساء البلديات المسلمين، من بينهم عمدة لندن صادق خان، باعتباره دليلاً على ما وصفه بـ“التغلغل السياسي”.
رؤية ملكية منفتحة
الملك تشارلز، الذي لطالما دعا إلى احترام التنوع الثقافي والديني، يرى أن مسلمي بريطانيا يمثلون “عنصر ثراء حضاري للمجتمع”، مؤكدًا في خطابات سابقة أن التراث الإسلامي أسهم في بناء أوروبا الحديثة، وأن تجاهل هذا الإرث نوع من “الجهل بتاريخنا المشترك”. وفي كلمة له عام 1993 حين كان لا يزال وليًا للعهد، قال إن جوهر الشريعة الإسلامية يقوم على “العدل والرحمة”، مبرزًا أن الإسلام منح المرأة حق الملكية والميراث منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
مواقف متناقضة
وفي حين ربط جولياني بين الإسلام والهجرة والتطرف، دعا الملك البريطاني في الخطاب نفسه المسلمين إلى التوازن بين الحفاظ على هويتهم الدينية وبين الاندماج الواعي في المجتمع، معتبرًا أن هذا الانسجام يمثل صمام أمان للتعايش الوطني. كما وصف الإسلام بأنه “جزء من ماضينا وحاضرنا، وساهم في تشكيل حضارتنا الأوروبية الحديثة”.
خلفية فكرية
يُعرف عن الملك تشارلز الثالث تعلقه بالمدرسة الفكرية المعروفة بـ”التقليدية”، وهي فلسفة روحية ظهرت في القرن العشرين ترى أن الأديان الكبرى تشترك في جوهر من القيم الكونية يمكن أن يقدم حلولًا لأزمات الإنسان المعاصر. وقد قال في خطاب له عام 2006 إن الدفاع عن الماضي “يأتي من الإيمان بأن العالم القديم كان يحمل المعنى المقدس في كل جوانبه”.
أبعاد الأزمة
تصريحات جولياني لم تُقرأ في بريطانيا فقط على أنها هجوم على الإسلام، بل أيضًا كهجوم على قيم التعددية التي تحرص العائلة الملكية على ترسيخها. فبينما يسعى الملك لتقريب الأديان وتعزيز التفاهم بين الثقافات، تأتي مواقف مثل تلك التي أطلقها جولياني لتغذي التشكيك والانقسام داخل المجتمعات الغربية.
تثير هذه الواقعة أسئلة أوسع حول تأثير الخطاب العنصري على السلم الاجتماعي، ودور الشخصيات العامة في تشكيل الرأي العام. فحين تُستخدم الأديان كأدوات سياسية أو كسلاح في الجدل الإعلامي، يصبح الحوار القائم على المعرفة والاحترام حاجةً أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، خاصة في مجتمعات متعددة الأعراق كالمجتمع البريطاني، الذي يبرهن تنوعه اليوم على أن التعايش لا يضعف الهوية، بل يصونها.
اقرأ المزيد
تصاعد الاعتداءات على المساجد في أمريكا وسط تصاعد الكراهية ضد المسلمين
بعد الحظر الهولندي.. تحذيرات من تمدد أذرع الإخوان المسلمين في العمق الإسباني
“أصحاب اليمين”.. تنظيم غامض يتبنى تفجير سيارات إسعاف يهودية في لندن
أمام مجلس العموم.. ستيف ريد يعلن توسيع نطاق تجريم العداء للمسلمين في المملكة المتحدة












