وطن-في مشهد يعيد أجواء الحرب الباردة بمرارتها ودهائها، كشفت واشنطن عن تفاصيل عملية عسكرية معقّدة نفّذتها قواتها الخاصة داخل الأراضي الإيرانية، لإنقاذ أحد أفراد طاقم طائرة حربية أمريكية أُسقطت فوق إيران مطلع أبريل/نيسان 2026.
تحوّلت القصة التي بدأت بسقوط مقاتلة من طراز “إف‑15 إي” يوم الجمعة، خلال ساعات إلى سباق محموم بين القوات الأمريكية والإيرانية للعثور على الطيّارين المفقودين. فبينما أُنقذ قائد الطائرة في اليوم الأول، بقي ضابط أنظمة التسليح عالقًا خلف خطوط العدو قرابة يومين كاملين قبل أن يُعثر عليه جريحًا، وفق ما أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض مساء الاثنين.
وصف ترامب المهمة بأنها “كالبحث عن إبرة في كومة قش”، مشيدًا بشجاعة الضابط الذي تمكّن من الإفلات من القبض عليه رغم إصاباته ونزفه المستمر. وأضاف أن العملية اعتمدت بدرجة كبيرة على ما أسماه “الخداع التكتيكي”، إذ لجأت القوات الأمريكية إلى نشر معلومات مضلِّلة لإرباك القوات الإيرانية التي كانت تفتّش المنطقة.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، رُصدت مروحيات وطائرات شحن أمريكية تحلّق فوق محافظة كهغيلويه وبوير أحمد جنوب غربي إيران، ما أثار استنفارًا واسعًا شمل الجيش الإيراني وقوات التعبئة المعروفة بـ«البسيج» ومدنيين شاركوا في عمليات البحث. غير أن تقارير إعلامية أخرى تحدثت عن أن موقع سقوط الطائرة كان في أصفهان وسط البلاد، وهو المكان ذاته الذي شهد لاحقًا عملية انتشال الضابط المصاب.
أثارت الفجوة بين الروايتين انتباه محللين استخباريين يرصدون بيانات المواقع المفتوحة، إذ أشار بعضهم إلى أن المسافة بين المحافظتين تبلغ مئات الكيلومترات، مرجّحين أن تكون واشنطن قد استغلت الفوضى لصرف الأنظار عن هدف آخر. وراجت تكهّنات بأن العملية قد غطّت على محاولة أمريكية للاقتراب من منشأة نووية إيرانية يُعتقد أنها تضم مخزونًا من اليورانيوم عالي التخصيب في أصفهان، وهي المنشأة التي سبق أن استُهدفت في يونيو/حزيران الماضي.
التقطت وزارة الخارجية الإيرانية هذا الخيط سريعًا، إذ صرّح المتحدث باسمها إسماعيل بقائي بأن “احتمال استخدام العملية كغطاء لسرقة مواد نووية مخصّبة لا يمكن استبعاده”، من دون أن يقدم أي دليل على ذلك.
من جانب آخر، أشارت مصادر دفاعية إلى أن الولايات المتحدة لجأت إلى نشر عدد غير معتاد من الجنود والطائرات لتأمين منطقة الهبوط وضمان خروج آمن للفريق المنقذ. لكن العملية لم تمر من دون خسائر؛ فإيران أعلنت تدمير طائرات نقل من طراز C‑130 ومروحيات H‑60 وطائرة مسيّرة من نوع MQ‑9 خلال المواجهة، في حين اعترف ترامب بأن بلاده فجّرت طائرتين «عَلِقتا في الرمال» خشية وقوع معداتهما في أيدي خصومها، مشددًا على أن «خطة الطوارئ البديلة» سمحت بإجلاء القوات عبر طائرات أخف وأسرع.
وتضمّن المشهد الأخير من العملية ظهور حطام طائرة مروحية صغيرة يُرجَّح أنها من طراز “ليتل بيرد”، وهي مروحية خفيفة تستخدم عادة في مهام الاستطلاع والإنقاذ السريع، ما يعزز رواية أن الفريق الأمريكي نقل الضابط الجريح عبرها قبل مغادرة الأراضي الإيرانية.
وعلى الرغم مما اعتبره ترامب «نجاحًا بطوليًا»، فإن الرواية ما زالت تثير تساؤلات كبرى حول مدى تمرّد حدود العمليات العسكرية السرّية على القوانين الدولية، وحول الرسالة التي تحملها هذه الحادثة عن تصاعد المخاطر في سماء الخليج والمنطقة الأوسع.
في نهاية المطاف، تذكّر هذه العملية المعلنة جزئيًا بأن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضًا بالمعلومة والخداع وصراع العقول، حيث قد تُنقذ الأكاذيب حياة إنسان… أو تشعل نار أزمة جديدة.
اقرأ المزيد
لغز سقوط طائرة الوقود الأمريكية في العراق: حادث تقني أم إسقاط عسكري؟
سقوط ثلاث مقاتلات أمريكية في سماء الكويت وتصاعد الجدل بين الرواية الأمريكية والإيرانية












