وطن-لم تهدأ الساحة السياسية في إسرائيل منذ إعلان وقف إطلاق النار الذي توصّلت إليه الولايات المتحدة وإيران، إذ قوبل الاتفاق بعاصفة من الغضب والانتقادات الحادة في تل أبيب، وسط اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ«إخفاق دبلوماسي واستراتيجي» أعاد إلى الداخل الإسرائيلي شعورًا بالهزيمة بعد حرب استمرت أكثر من أربعين يومًا.
سياق الاتفاق وردود الفعل
في السابع من نيسان/أبريل 2026، وبينما كانت الصواريخ الإيرانية قد خلّفت دمارًا في مدن إسرائيلية، فوجئت الحكومة الإسرائيلية بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف العمليات العسكرية ضد إيران لمدة أسبوعين. لم يكن القرار – بحسب مسؤولين إسرائيليين كبار – متوقّعًا، إذ قال أحدهم لهيئة البث العامة إن تل أبيب تلقت إشعارًا «في اللحظة الأخيرة» بعد اكتمال الترتيبات.
بعد نحو أربع ساعات من الإعلان الأميركي، صدر أول تعليق من مكتب نتنياهو يؤكد دعم واشنطن في «تعليق الهجمات مؤقتًا»، مع تشديد على أن الهدنة «لا تشمل لبنان»، في تناقض مع ما أعلنه الوسيط الباكستاني في حينه.
اتهامات للقيادة الإسرائيلية
سرعان ما انفجرت موجة من الانتقادات في الداخل. زعيم المعارضة يائير لابيد كتب على منصة «إكس» أن ما حدث يمثل «أسوأ انتكاسة دبلوماسية عرفتها إسرائيل»، مضيفًا أنّ تل أبيب «لم تكن حتى حاضرة على طاولة القرار، رغم أن الأمن القومي لإسرائيل كان محور النقاش». ورغم إشادته بقدرة الجيش وصمود المواطنين، اعتبر لابيد أنّ «نتنياهو فشل في كل هدف وضعه للحرب، وسيحتاج البلد إلى سنوات لإصلاح الأضرار التي سبّبها الغرور وسوء التخطيط».
من جانبه، اتهم رئيس حزب «الديمقراطيين» يائير غولان – وهو جنرال سابق في الجيش – نتنياهو بالكذب على الرأي العام. وقال إنّ رئيس الوزراء وعد بـ«نصر تاريخي» يضمن الأمن لأجيال، لكن النتيجة كانت «إخفاقًا استراتيجيًا غير مسبوق». وأضاف أنّ برامج إيران النووية والصاروخية لم تُمس، وأنّ طهران خرجت من الحرب «أقوى مما كانت عليه».
أما أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المعارض، فاعتبر أنّ الهدنة «ستقود حتمًا إلى جولة قتال جديدة بشروط أسوأ وبخسائر أكبر».
انتقادات إعلامية غير مسبوقة
بعد أسابيع من تأييد واسع للحرب، تغيّر المشهد الإعلامي الإسرائيلي سريعًا عقب إعلان ترامب. كتبت المراسلة الدبلوماسية في هيئة «كان 11» غيلي كوهين أنّ «نتنياهو خضع مجددًا لإملاءات ترامب»، مشيرة إلى أنّ الرئيس الأميركي هو من يحدّد توقيت نهاية الحروب مع إيران للمرة الثانية خلال عام واحد. وأوضحت كوهين أنّ وعود نتنياهو بتغيير النظام في طهران وتفكيك برامجها النووية والصاروخية «لم يتحقق منها شيء»، مؤكدة أنّ واقع الشرق الأوسط الجديد بات معتمدًا على «احتكاك متكرر مع إيران، ووجود إسرائيلي متواصل في كل من سوريا ولبنان وغزة».
وفي صحيفة معاريف، كتب المعلق العسكري آفي أشكنازي أنّ «واحدًا وأربعين يومًا من القتال ودمار خمسة آلاف مبنى انتهت بانتصار إيراني حاسم». وأضاف أن الاتفاق الذي وُقِّع بدفع من واشنطن «يحمل في بنوده نوعًا من الاستسلام من الطرفين الإسرائيلي والأميركي»، بينما دفعت إسرائيل ثمنًا بشريًا واقتصاديًا باهظًا جراء هجمات إيران وحزب الله.
أما محلل الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، فخلص إلى أنّ «أهداف الحرب لم تتحقق، ومكانة إسرائيل في الولايات المتحدة تضررت بشدة»، محذرًا من أنّ نتنياهو قد يواجه لاحقًا «توترًا في علاقته مع ترامب» الذي لا يتقبّل الخسارة وربما يرى في نتنياهو مسؤولًا عن فشل الحملة المشتركة.
البعد الإنساني والتوعوي
وعلى الرغم من الجدل السياسي الحاد، يذكّر محللون إسرائيليون بأن أثمان الحروب لا تُقاس بالمساحات أو البيانات الرسمية، بل بالدمار الذي يتركه القتال في حياة المدنيين والجنود على السواء. فبين خسارة الأرواح، والانقسام الداخلي، والتراجع الاقتصادي، باتت تهدئة الأوضاع ضرورة إنسانية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا. ومع كل هدنة مؤقتة، تتجدد في إسرائيل الأسئلة القديمة حول جدوى المواجهة والقدرة على تحقيق «نصر» ثابت في منطقة لا تعرف سوى الهدوء المؤقت.
اقرأ المزيد
“الكاميرات لا تكذب”: مقاطع مسربة تكشف زيف الرواية الرسمية حول اعتراض صواريخ إيران في تل أبيب
“حرب المستحيل”: 1.4 مليون كيلومتر من الجبال والصحاري.. لماذا الغزو البري لإيران انتحار عسكري؟












