وطن-تشهد ليبيا مرحلة جديدة من النشاط في قطاع الاستكشاف النفطي والغازي، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن ثلاث اكتشافات مهمّة في تعاون مشترك مع شركات دولية كبرى، هي «إيني» الإيطالية و«ريبسول» الإسبانية و«سوناطراك» الجزائرية. هذه التطورات تشير إلى عودة الزخم التدريجي لأعمال التنقيب في بعض من أغنى الحقول والمناطق المنتجة في البلاد بعد سنوات من الجمود.
سياق يعيد الثقة
يأتي الإعلان في وقت تسعى فيه ليبيا إلى ترسيخ استقرار إنتاجها النفطي وجذب مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة، الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وتعكس النتائج الجديدة استمرار قدرة الأراضي الليبية، سواء البحرية أو الصحراوية، على تحقيق مكاسب تجارية رغم التحديات الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال الأعوام الماضية.
جوهر الاكتشافات
أبرز النتائج تحققت قبالة الساحل الغربي لليبيا، حيث نجحت أعمال الحفر التي نفذتها المؤسسة الوطنية للنفط بالتعاون مع «إيني شمال أفريقيا» في تأكيد اكتشاف غازي جديد على بُعد نحو 95 كيلومترًا من الشاطئ. وبلغ عمق البئر، المعروف باسم J1-4/16، نحو 10,458 قدمًا، وبيّنت اختبارات الخزان تحقيق معدلات إنتاج بلغت 14 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا في التجربة الأولى و24 مليونًا في الثانية. ويمثل هذا الكشف إتمام الالتزام الاستكشافي التاسع والأخير في إطار العقد المبرم عام 2008.
وفي الجنوب، وتحديدًا بحوض مرزق على بعد حوالي 800 كيلومتر من طرابلس، سجّلت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة «ريبسول» اكتشافًا نفطيًا جديدًا في منطقة التعاقد 131/130. ووصل عمق البئر J1-4/130 إلى 4,325 قدمًا، وينتج في المتوسط نحو 763 برميلًا يوميًا من طبقة مميّات الجيولوجية، وهو خامس بئر يُنفّذ ضمن التزامات الاتفاق الموقع بين الجانبين قبل ستة عشر عامًا.
أما الاكتشاف الثالث فكان في حوض غدامس شمال غرب البلاد، حيث أعلنت المؤسسة بالتعاون مع شركة «سوناطراك» عبر فرعها الليبي «سيبكس» عن تحقق نتائج واعدة في بئر A1-69/02 الواقعة قرب حقل الوفاء. وصلت أعمال الحفر إلى عمق 8,440 قدمًا، وأظهرت الاختبارات تدفق نحو 13 مليون قدم مكعب من الغاز و327 برميلًا من المكثفات يوميًا من طبقتي عوينات وانين وآوين كازا. ويُعد هذا البئر السادس من أصل ثمانية مبرمجة ضمن اتفاق الاستكشاف والاقتسام الموقع في مايو 2008.
توضيح ودلالات أوسع
تؤكد هذه النتائج أن النشاط الاستكشافي في ليبيا بدأ يحقق عوائد ملموسة في عدة أحواض وبمشاركة شركات مختلفة، ما يعزز التنوّع الجغرافي والإنتاجي في القطاع. وتكتسب الاكتشافات البحرية أهمية خاصة، كونها تساهم في تعزيز الإمدادات الموجّهة للسوق المحلية، مع المحافظة على مكانة ليبيا كمورّد رئيسي للطاقة في حوض البحر المتوسط.
وفي حين تنسجم هذه الاكتشافات مع التوجه الإقليمي في شمال أفريقيا نحو تسريع مشاريع تطوير الغاز، فإنها أيضًا تمثّل خطوة عملية نحو تلبية الطلب الأوروبي المتزايد في ظل تحولات سوق الطاقة العالمية.
القيمة الميدانية للاكتشافات البرية
تمثل اكتشافات مرزق وغدامس مؤشرًا إضافيًا إلى استمرار جدوى الحقول البرية التقليدية في ليبيا. فرغم تواضع معدلات الإنتاج الأولية، يمكن لهذه الآبار أن تدعم نموًا سريعًا في الإنتاج إذا توفرت بنية تحتية آمنة وشبكات نقل فعّالة. وتقع نتائج «سوناطراك» في موقع استراتيجي قريب من حقل الوفاء، ما قد يسهّل عملية ربطها بخطوط الإنتاج القائمة ويختصر خطوات تجارية مهمة في المستقبل القريب.
بعد توعوي – أفق جديد للطاقة الليبية
بعد أكثر من عقد على توقيع عقود الامتياز في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة، تُظهر هذه الاكتشافات أن الأراضي الليبية ما زالت تحتفظ بقدرة عالية على العطاء رغم التحديات. وهي رسالة تشجّع على جذب استثمارات إضافية تعيد التوازن إلى الإنتاج الوطني وتحدّ من تقلباته.
إن استئناف النشاط في مجالات التنقيب يفتح أمام ليبيا فرصة لاستعادة ثقة المستثمرين الدوليين، ولبناء منظومة طاقية أكثر استقرارًا واستدامة، تجمع بين الاستثمار في الغاز والنفط وتطوير البنية التحتية المحلية بما يعود بالنفع المباشر على المواطنين والاقتصاد الوطني.
اقرأ المزيد
إغلاق إيران لمضيق هرمز وتأثيره العالمي على أمن الطاقة وأسعار النفط












