وطن-في تحول سياسي غير مسبوق، أطاح الناخبون المجريون بفيكتور أوربان بعد سنوات من حكمه المثير للجدل، ومنحوا ثقتهم لبيتر ماغيار وحزبه “تيزا” الذي حقق فوزًا ساحقًا من شأنه أن يبدّل موقع بودابست داخل الاتحاد الأوروبي.
إن هذا الفوز لا يمثل مجرد تبدل في القيادة داخل المجر، بل تغييرًا جوهريًا في التوازنات الأوروبية، بعد أن كان أوربان يشكل حجر عثرة أمام وحدة القرار داخل الاتحاد.
تحوّل تاريخي في المجر
إن نتائج الانتخابات أظهرت أن الناخبين المجريين ضاقوا ذرعًا بسياسات أوربان، وبعزلة بلادهم داخل الاتحاد الأوروبي الذي يشترط إجماع الدول السبع والعشرين في معظم قراراته، ما جعل فيكتور أوربان قادرًا على تعطيل مسارات التكامل الأوروبي.
إن أوربان، على الرغم من قيادته لبلد لا يتجاوز عدد سكانه عشرة ملايين نسمة، تمكن من فرض نفسه كلاعب مؤثر على الساحة الأوروبية والدولية، إذ حظي بدعم كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في الوقت نفسه، وهذا ما يعتبر وضعًا نادرًا في السياسة الدولية.
وعود وضغوط دولية
كانت إدارة البيت الأبيض قد وعدت أوربان، في حال فوزه مجددًا، بدعم سياسي واقتصادي ومالي يضمن بقاءه “مستقلًا” عن الاتحاد الأوروبي. لكن النتائج الانتخابية أوضحت رغبة المجريين في التغيير؛ إذ خرجوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع وصوتوا بقوة لحزب “تيزا” الذي يقوده بيتر ماغيار، ليبرهنوا أن إنهاء عهد أوربان ممكن ديمقراطيًا رغم سيطرته شبه الكاملة على النظام الانتخابي.
كما إن البرلمان المجري، المكوّن من 199 مقعدًا، خضع لإصلاح دستوري سابق صمّمه أوربان لتعزيز نفوذه، إذ يتم انتخاب 106 نواب بالتصويت العام، بينما يوزّع 93 مقعدًا عبر دوائر فردية. ورغم هذه المعادلة الصعبة، تمكن ماغيار من كسر الحاجز الذي قدّرت استطلاعات الرأي أنه يجب أن يتجاوز فيه خصمه بنسبة 4% إلى 5% ليشكل الحكومة.
أغلبية مؤهلة وإصلاحات مرتقبة
فقد حقق ماغيار انتصارًا كاسحًا مكّنه من الحصول على أغلبية الثلثين داخل البرلمان، ما يتيح له تعديل الدستور لإلغاء الامتيازات التي أدرجها أوربان في النظام السياسي.
هذا وتحمل النتيجة دلالات عميقة: فبينما رفض الناخبون النزعة القومية المتشددة لأوربان، فإنهم لم يتحولوا نحو اليسار. فقد فشل الحزب الاشتراكي التابع للتحالف الديمقراطي في دخول البرلمان بعد أن حصد نحو 1% فقط من الأصوات، متقدمًا بفارق بسيط على حزب “الكلب ذو الذيلين” ذي النزعة الساخرة والمعارضة.
وعود بمكافحة “نظام المافيا”
إن ماغيار وحزبه المحافظ الإصلاحي قدما أنفسهما باعتبارهما البديل الأخلاقي والسياسي لنظام أوربان، متعهدين بإنهاء ما وصفوه بـ”الفساد ذي الطابع المافيوي” الذي أحكم قبضته على مفاصل الحكم. وقد أكد ماغيار، في كلمته بعد إعلان النتائج، أن “الدولة المافيوية لم تعد تملك السلطة على أي مواطن مجري”، في إشارة إلى انتهاء حقبة السيطرة المطلقة التي اتسمت بها سنوات أوربان الأخيرة.
المجر على أعتاب عودة أوروبية
إن فوز ماغيار، الذي يشغل أيضًا مقعدًا في البرلمان الأوروبي منذ عام 2024، سيعيد تموضع المجر داخل المؤسسات الأوروبية، حيث يُتوقع أن تخرج من دائرة الأحزاب الشعبوية التي كانت تتحالف مع تيارات أقصى اليمين مثل حزب “فوكس” الإسباني و”التجمع الوطني” الفرنسي.
يهدف ماغيار إلى إعادة بناء الثقة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة محورية لاستعادة الأموال الأوروبية المجمدة لبودابست، والبالغة 17 مليار يورو — أي ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي للمجر. وسيكون عليه تنفيذ إصلاحات جوهرية، من بينها تعديل قواعد المشتريات العامة وضمان استقلالية القضاء والحرية الأكاديمية.
مواقف ثابتة تجاه الهجرة وأوكرانيا
من غير المتوقع أن يغير حزب “تيزا” مواقفه المتحفظة تجاه سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصة بإعادة توزيع المهاجرين، كما لا يُتوقع أن يتبنى سياسة مناقضة تمامًا لموقف أوربان من موسكو.
كما سيقوم ماغيار بتسهيل الإفراج عن حزمة المساعدات الأوروبية لأوكرانيا والتي تبلغ 90 مليار يورو، لكنه لن يذهب إلى قطيعة تامة مع روسيا، بل سيوازن بين المصالح الأوروبية والعلاقات التاريخية مع الكرملين.
إن انتخاب بيتر ماغيار يشكل بداية صفحة جديدة في تاريخ المجر الحديث، إذ يبدو أن هذا البلد الواقع في قلب أوروبا يعيد موقعه الطبيعي داخل الاتحاد، في وقت يحتاج فيه التكتل الأوروبي إلى وحدة صف لمواجهة التحولات العالمية المتسارعة.
اقرأ المزيد
هزيمة فيكتور أوربان بعد 16 عامًا في السلطة يفكك أممية اليمين ويترك ترامب وحيداً..
سقوط فيكتور أوربان: هل فقد نتنياهو “درعه السياسي” الأخير في أوروبا؟












