معركة ما بعد المجزرة: حين انتقل القتل من الأرض إلى الفضاء الرقمي
وطن – لم تتوقف تداعيات مجزرة الفاشر عند حدود القتل والحصار والتجويع، بل سرعان ما انتقلت إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة: الفضاء الرقمي. فبعد سيطرة مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) المدعومة من دولة الإمارات على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، ووسط حصار خانق أدى إلى تفريغ المدينة من الحياة، ظهرت على منصة X حملة رقمية غير مسبوقة هدفت إلى إعادة كتابة الرواية، وتبييض الجريمة، وتحويل الجلاد إلى طرف إنساني يسعى إلى السلام.
هذه الحملة ليست اجتهادات فردية أو تفاعلات عفوية، بل موثّقة ضمن بحث موسّع أعدّه مارك أوين جونز، أحد أبرز الخبراء الدوليين في تتبّع شبكات التضليل الإعلامي والحسابات الآلية المنسّقة، والحائز على جوائز دولية في تحليل عمليات التأثير الرقمي.
أرقام تكشف الحجم: 19 ألف حساب آلي و91 مليون مشاهدة
بحسب البحث، جرى نشر ما يقارب 80 ألف تغريدة خلال الفترة ما بين 5 و19 نوفمبر، بواسطة نحو 21 ألف حساب، حققت مجتمعة أكثر من 91 مليون مشاهدة. والأخطر أن ما بين 89 إلى 93 في المئة من هذا النشاط صدر عن حسابات آلية أو عالية التنسيق، أي ما يقارب 19 ألف حساب، في واحدة من أضخم شبكات التضليل الرقمي التي جرى توثيقها في سياق نزاع واحد خلال السنوات الأخيرة.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط رقمي مكثف، بل تشير إلى عملية تأثير مصمّمة بعناية، تستهدف توجيه الرأي العام الإقليمي والدولي في لحظة إنسانية شديدة الحساسية.
الفاشر بعد السقوط: مدينة أُفرغت من البشر
يضع البحث هذا النشاط في سياقه الزمني المباشر: ما بعد مجزرة الفاشر. ففي أواخر أكتوبر 2025، أحكمت مليشيا الدعم السريع حصارها على المدينة عبر سياسة التجويع، قبل أن تسيطر عليها بالكامل. وتُظهر صور الأقمار الصناعية، التي حللها مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، مدينة خالية من الحركة خلال أسابيع قليلة، بعد أن كانت تعج بالأسواق والأحياء المزدحمة.
كما نُقلت إلى برلمانيين بريطانيين معلومات تفيد بأن عدد القتلى قد لا يقل عن 60 ألف شخص، فيما لا يزال ما يصل إلى 150 ألفًا في عداد المفقودين، دون أي مؤشرات على مغادرتهم المدينة. ورغم تعهدات المليشيا بالسماح بالوصول الإنساني، ظلت الفاشر مغلقة أمام الصحفيين ووكالات الإغاثة ومحققي الأمم المتحدة، بينما عُلّقت قوافل المساعدات خارجها، وأُعلنت المدينة منطقة مجاعة.
صناعة سردية بديلة: من الجريمة إلى «عودة الحياة»
يوثّق البحث انضباطًا سرديًا لافتًا في محتوى الحملة الرقمية. فقد جرى تحميل القوات المسلحة السودانية ورئيسها عبد الفتاح البرهان مسؤولية الجوع ومعاناة المدنيين، مع اتهامهم بعرقلة المساعدات ورفض وقف إطلاق النار، وتصوير التجويع على أنه سياسة متعمّدة لا نتيجة حرب.
في المقابل، صُوّرت مليشيا الدعم السريع بوصفها قوة منضبطة وإنسانية، تسعى إلى السلام وتحمي المدنيين، مع إبراز صور للاستقرار والنظام في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتجاهل شبه كامل لانتهاكاتها الموثّقة.
وتوقّف البحث عند حملة وسم #عودة_الحياة_للفاشر، التي صوّرت المدينة على أنها تستعيد عافيتها، مع صور لأسواق مفتوحة وأطفال يلعبون وسكان مبتسمين، واستخدام مكثف لرموز دينية وثقافية توحي بالطمأنينة، في محاولة واضحة لتبييض المجزرة وإعادة تطبيع الكارثة.
نقل اللوم إقليميًا… واستثناء الإمارات
ضمن هذه السردية، جرى تحميل مسؤولية معاناة السودان لمجموعة مألوفة من الفاعلين الإقليميين: مصر، السعودية، قطر، تركيا، إيران وروسيا، باعتبارهم أطرافًا تؤجج الحرب أو تعرقل الحلول. في المقابل، ظهرت الإمارات في المحتوى المتداول بصورة انتقائية، بوصفها طرفًا إنسانيًا أو غائبًا عن المشهد، مع التركيز على بيانات رسمية وتعهدات إغاثية.
كيف تعمل الشبكة؟ تنسيق مركزي ونواة ضيقة
يعرض مارك أوين جونز بنية شبكية تكشف تنسيقًا مركزيًا واضحًا. إذ إن نحو 95 في المئة من الحسابات لا تتفاعل فعليًا مع حسابات أخرى، بل تكتفي ببث الوسوم بشكل متكرر. ولا يظهر سوى عدد محدود جدًا من الحسابات ذات الاتصال المرتفع، ما يشير إلى نواة صغيرة منسّقة تحيط بها آلاف الحسابات التي تعمل كأدوات تضخيم.
كما وثّق البحث حالات أُعيد فيها تغريد حساب واحد من قبل مئات الحسابات الآلية، ما أدى إلى قفزات حادة في الظهور دون أي نقاش لاحق، في نمط يُعرف بتضخيم الحسابات الآلية بواسطة حسابات آلية أخرى.
توقيت محسوب ووسوم تُطلق على دفعات
لم يكن نشاط الوسوم عشوائيًا. فقد جاء على شكل موجات قصيرة وكثيفة، كل موجة مرتبطة بوسم مختلف، ومع انحسار واحدة تبدأ الأخرى فورًا تقريبًا، بعدد متقارب يناهز 13 ألف تغريدة في كل دفعة. ويشير البحث إلى أن هذا الأسلوب مصمم خصيصًا لدفع الوسوم إلى قوائم الترند عبر السرعة والتكرار، لا عبر التفاعل الحقيقي.
دلائل تقنية على الطابع الآلي
يسجّل البحث مؤشرات تقنية إضافية، أبرزها أن أكثر من 81 في المئة من الحسابات المشاركة أُنشئت خلال فترة لا تتجاوز خمسة أشهر، مع شهر واحد شهد إنشاء نحو 2,500 حساب. كما أن 96 في المئة من التغريدات أُرسلت عبر Twitter Web App، وهو نمط شائع في بيئات النشر الآلي والجماعي.
من السودان إلى اليمن: شبكة واحدة وساحات متعددة
لا يتوقف البحث عند السودان. إذ يشير إلى أن البنية التحتية الرقمية نفسها استُخدمت في سياقات أخرى، أبرزها جنوب اليمن في ديسمبر 2025، حيث نُفذت حملات آلية واسعة لترويج سرديات المجلس الانتقالي الجنوبي المتحالف مع الإمارات، إلى جانب الترويج لوسوم معادية للسعودية مثل «العدوان السعودي على الجنوب».
هذا التكرار، وفق البحث، يؤكد أن ما جرى في السودان ليس حالة معزولة، بل جزء من منظومة تأثير رقمية عابرة للنزاعات، قابلة لإعادة التوظيف بحسب الحاجة السياسية.
خلاصة: حين يُصنع «الرأي العام» بالآلة
يقدّم بحث مارك أوين جونز صورة دقيقة لكيفية تحوّل التضليل الرقمي إلى أداة مرافقة للحرب، لا تقل فتكًا عن السلاح. فحجم الحسابات، وسرعة النشر، والتكرار المنهجي، قادرة على خلق حضور مصطنع يُقدَّم على أنه رأي عام، في بيئة معلوماتية مشوّهة أصلًا بقيود الحرب ومنع التغطية.
وفي حالة الفاشر، لم تكن المعركة فقط على من يسيطر على الأرض، بل على من يسيطر على ما يُرى، وما يُصدَّق، وما يُقبل.
اقرأ أيضاً:










