واشنطن – وطن – في تطور مفاجئ، أعلنت واشنطن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ما أثار جدلاً واسعًا داخل الولايات المتحدة حول أسباب هذا التحول الجذري في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان قد وعد ناخبيه سابقًا بعدم الانخراط في حروب جديدة.
سياق متقلب ومبررات متغيرة
ومنذ بداية العام، برزت مؤشرات عن تعزيز غير مسبوق للوجود العسكري الأميركي في أمريكا اللاتينية، قبل أن تتوالى تصريحات الإدارة الأميركية بتبريرات متعددة حول هذا التحرك.
في البداية، برر ترامب العمليات العسكرية قرب الأراضي الفنزويلية بأنها تهدف إلى مكافحة تهريب المخدرات نحو الولايات المتحدة. غير أن خبراء أشاروا إلى أن مسار تجارة الكوكايين المرتبطة بفنزويلا يتجه في الأساس إلى الأسواق الأوروبية، بينما يُستورد مخدر الفينتانيل من الصين، ما يجعل هذا التبرير موضع تساؤل.
ولاحقًا، وجّه ترامب اتهامات غير مدعّمة بالأدلة لمادورو، زاعمًا أنه أطلق سراح نزلاء من السجون والمصحات العقلية لتهريبهم إلى الأراضي الأميركية. ومع ذلك، أكدت بيانات معهد سياسات الهجرة، وهو جهة بحثية غير حزبية، أن موجات المهاجرين الفنزويليين إلى الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تعود إلى الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تشهدها بلادهم.
من ملف المخدرات إلى “النفط المسروق”
وبحلول منتصف ديسمبر/كانون الأول، انتقل خطاب ترامب إلى لهجة أكثر حدة، متهماً مادورو بـ«سرقة النفط والأراضي الأميركية». وبدت الإشارة موجهة إلى سياسة فنزويلا في سبعينيات القرن الماضي عندما قامت بتأميم ثرواتها النفطية، خطوة أدت آنذاك إلى انسحاب الشركات الأميركية من البلاد.
وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 17 ديسمبر، أعلن ترامب أن تهديد بلاده العسكري لفنزويلا “سيتصاعد بقوة غير مسبوقة” ما لم تستعد الولايات المتحدة ما وصفه بـ«النفط والأرض والممتلكات التي سُرقت منها». وجاء هذا التصريح في الوقت نفسه تقريبًا الذي أفادت تقارير بأن الرئيس الأميركي أعطى الضوء الأخضر لتنفيذ العملية التي جرت فجر الثالث من يناير.
تصريحات داعمة من أركان الإدارة
وأيد المستشار في البيت الأبيض ستيفن ميلر بدوره نغمة ترامب، معتبرًا أن الولايات المتحدة هي من بنت صناعة النفط الفنزويلية بجهود وخبرات أميركية قبل أن يجري «الاستيلاء عليها قسرًا». وقال إن هذا «الاستحواذ القسري» يُعد، برأيه، أكبر عملية سلب لثروة وممتلكات أميركية في التاريخ الحديث.
أما وزير الخارجية مارك روبيو، فاختار مقاربة مختلفة قليلًا في مؤتمره الصحفي بتاريخ 19 ديسمبر، إذ وصف حكومة مادورو بأنها «غير شرعية» ومتعاونة مع «عناصر إرهابية وإجرامية»، معتبراً أن هذا الأمر يجعل استمرارها «غير مقبول» بالنسبة للإدارة الأميركية.
وروبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية، قال إن فنزويلا تمثل “تهديدًا إقليميًا” وإن غياب التعاون بين كراكاس وواشنطن يعمّق الأزمة. وأضاف: «هو نظام لا يكتفي بالعداء للولايات المتحدة، بل يتعاون علنًا مع جهات خطيرة خارجة عن القانون».
رد فعل فنزويلي غاضب
في المقابل، أدانت الحكومة الفنزويلية العملية الأميركية بشدة، ووصفتها بأنها «عدوان عسكري جسيم» وانتهاك صريح لسيادة الدولة. وأكد البيان الرسمي أن ما جرى يمثل «تصعيدًا خطيرًا» من جانب الإدارة الأميركية الحالية ضد فنزويلا وشعبها.
قراءة في خلفية المشهد
تثير هذه التطورات أسئلة حول التحولات السريعة في خطاب الإدارة الأميركية إزاء فنزويلا: من تبريرات أمنية واقتصادية إلى اتهامات تتعلق بالملكية والاستقلال الوطني. كما تكشف التحركات الأخيرة تناقضًا بين وعود الرئيس ترامب بعدم خوض مغامرات عسكرية جديدة وبين الواقع الميداني الذي يشير إلى حملة عسكرية واسعة خارج الحدود.
وتسلط الأزمة الراهنة الضوء على هشاشة العلاقات بين واشنطن وكراكاس، وعلى خطورة الانزلاق نحو مواجهات عسكرية نتيجة صراعات سياسية واقتصادية مزمنة. وفي ظل غياب مسار تفاوضي واضح، يبقى المدنيون في المنطقة الخاسر الأكبر من أي تصعيد جديد، ما يعيد التذكير بالحاجة الملحّة إلى حلول دبلوماسية تحفظ الاستقرار وتجنب شعوب القارة دوامة الحروب.
اقرأ أيضاً:










