نيويورك – وطن – في زمن تتبدّل فيه معايير القوة ورموزها، تبرز راما دواجي – زوجة عمدة نيويورك الجديد ظهران ممداني – كوجه يعيد رسم ملامح الدور التقليدي لـ«السيدة الأولى»، لا بالكلمات أو الشعارات، بل عبر تفاصيل أزيائها التي تختزن رسالة جيلٍ يرى في الاستدامة والاختيار الواعـي شكلاً من أشكال التعبير السياسي.
بداية مختلفة لعام جديد
وفي الساعات الأولى من عام 2026، لم تكن دواجي (28 عامًا) في حفلة صاخبة كما جرت العادة في نيويورك، بل حضرت مراسم أداء زوجها اليمين الدستورية في موقع رمزي من قلب المدينة، داخل محطة مترو قديمة أغلقت منذ زمن. هذه اللحظة، التي جمعت بين التاريخ والحداثة، شكّلت أيضًا إعلانًا ضمنيًا عن انطلاقة شخصيّة اختارت أن تبدأ عامها بصدق مع ذاتها، لا باستعراض المظاهر.

أزياء تحمل معنى لا ماركة
واختارت دواجي في تلك الليلة معطفًا رماديًا من الصوف بتصميم «بالنسياغا» الكلاسيكي مؤجّرًا من مكتبة ألبرايت للأزياء، وأقراطًا ذهبية عتيقة من «نيويورك فينتج». كان كل تفصيل منها مستعارًا بعناية، تعبيرًا عن تقديرها لفكرة «الاستعارة الدائرية» في الموضة وإيمانها بالمسؤولية البيئية في عالم الاستهلاك. أما اللمسة النهائية فجاءت مع حذاء أسود عالٍ من «مييستا» المفضّل لدى جيل Z، كذلك كان بالإعارة.
وفي حفل التنصيب الرسمي في ساحة البلدية، ارتدت معطفًا بنيًا داكنًا ذا ياقة عالية من تصميم اللبنانية‑الفلسطينية سينثيا مرهج – مؤسسة علامة «رينيسانس رينيسانس» – معدلاً خصيصًا لها من مجموعة خريف 2023، إلى جانب حذاء برباط من اللون البني وأقراط فضية بسيطة. كل قطعة منها جاءت بخلفية فكرية وثقافية مدروسة، لتتحوّل الملابس إلى خطاب صامت عن هويتها واختياراتها.

ما وراء الإطلالة
وكانت منسقة الأزياء الشهيرة غابرييلا كاريفا‑جونسون خلف الإطلالتين، لكن بصمة دواجي بقيت واضحة في كل اختيار. فمن يتابع حسابها على «إنستغرام» يلاحظ ذوقًا متفرّدًا يميل إلى المصممين الشباب والأكسسوارات العتيقة التي تعبّر عن حياة حقيقية أكثر من كونها صيحات عابرة. هي لا تبحث عن المظهر المتكلّف، بل عن توازن ينسجم مع إيقاع المدينة التي لا تنام.
وتقول منسقتها في نشرتها الخاصة إنّ استئجار الأزياء المستعملة جاء طبيعيًا بالنسبة لراما، «فهي هاوية ذكية في التسوق المستدام، وكان من المنطقي أن تعبّر عن نفسها بهذه الطريقة في لحظة استثنائية».
الأناقة كامتداد للفكر
وقبل الانتخابات، ظهرت دواجي بقميص دنيم بتصميم الأردني‑الفلسطيني زيد حجازي، وتنورة سوداء من «أولا جونسون»، وأقراط بسيطة من المصمّم إيدي بورغو. اختياراتها المتكرّرة من مصممين مستقلين تعبّر عن موقفٍ متّزن بين الفن والسياسة: احترام الحِرفة والحثّ على دعم الإنتاج المحلي والمستدام.
ووسط الحملة الانتخابية، تعرّضت دواجي لهجمات على خلفية أصولها السورية‑الأمريكية، فدافع عنها زوجها قائلاً إنّها فنانة تستحق أن تُعرف بذاتها، لا كظل لشخصه. ورغم ذلك لم تلجأ راما إلى التصريحات أو الخطابات، بل تركت لأزيائها مهمة الردّ بهدوء وأناقة، مؤكدة أن الهوية تُروى أحيانًا بخام القماش أكثر من الحروف.
جيل يكتب قواعده
وتصطف دواجي ضمن جيل جديد من الشركاء السياسيين الذين لا يرون في الأناقة زينة فحسب، بل وسيلة تواصل وفعلٍ الواعي. فهي جزء من ثقافة رقمية تعرف كيف تضخّم الشبكات الاجتماعية كل صورة وتحوّلها إلى رسالة. وبين سخرية الإنترنت وموجاته الفورية، تظل دواجي على وعي بدورها: أن تكون نفسها، بلا اعتذار أو تصنّع.
ما بعد الانعكاس الجمالي
وربما لن تقف هذه الشابة على منصة لتعلن مواقف سياسية صريحة، لكنّها تدرك أن الظهور العام فعل سياسي بحد ذاته. في كل مرة تختار قطعة مستعارة أو تصميمًا يحمل هوية فنان عربي شاب، تُعيد تعريف معنى السلطة الناعمة. فـ«كل شيء سياسي»، كما يقال، وربما أكثر ما يمكن أن تفعله شجاعة هو أن تظلّ هي كما هي.
خاتمة
أزياء راما دواجي لا تكتفي بتزيين المشهد السياسي، بل تكشف تحوّلًا ثقافيًا عميقًا في نظرة جيل كامل إلى القوة، والتمثيل، والاستدامة. فبين طيات القماش، تتخفّى رسالة تقول إن المستقبل ليس في البهرجة، بل في الوعي، وأنّ الحضور بصوت الذات ـ لا بظلّ الأدوار ـ هو أصدق أشكال القيادة الجديدة.
اقرأ أيضاً:










