وطن – تتزايد المؤشرات على أن إسرائيل تواجه صعوبة متنامية في منع تدخل تركيا في مشروعات إقليمية، خصوصًا في سوريا وقطاع غزة، وسط ضغوط أمريكية ورغبة تركية واضحة في لعب دور مباشر على الأرض.
وأكدت مصادر مطلعة لصحيفة “حيروزليم بوست” أن أنقرة تسعى لتثبيت وجودها في الشمال السوري، بالتوازي مع مساعٍ لتولي دور في الهيئة الإدارية أو الأمنية المؤقتة التي يجري بحثها لمرحلة ما بعد الحرب في غزة. ورغم اعتراض تل أبيب منذ البداية على أي مشاركة تركية، إلا أن قدرتها على تعطيل مثل هذه التحركات تبدو اليوم أضعف من أي وقت مضى.
وأشار أحد المطلعين على خلفيات المشاورات كما ذكر تقرير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن “إسرائيل لم تعد قادرة على تكرار كلمة لا إلى ما لا نهاية في وجه واشنطن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان”، موضحًا أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان يُبدي تعاطفًا واضحًا مع نظيره التركي، وهو ما جعل رفض إسرائيل لمشاركته في ترتيبات غزة ملفًا بالغ الحساسية.
اجتماعات باريس وأدوار متغيرة
وفي هذا السياق، من المقرر أن تُعقد في باريس اجتماعات تجمع مسؤولين إسرائيليين وسوريين برعاية أمريكية ـ هي الأولى من نوعها منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويقود الوفد الإسرائيلي السفير لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر والسكرتير العسكري للجيش رومان غوفمان، إلى جانب مسؤول من مجلس الأمن القومي، بينما يرأس الوفد السوري وزير الخارجية أحمد الشراع، ويشارك رجل الأعمال الأمريكي توم باراك كمبعوث خاص.
وتشير التقديرات إلى أن الاجتماعات التحضيرية التي جرت عشية اللقاء لم تسفر عن مؤشرات على تقدم كبير، خصوصًا بعد أن طرح الجانب السوري شروطًا جديدة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ومصير الطائفة الدرزية في الجنوب السوري.
مصادر إسرائيلية أفادت بأن نتائج الاجتماعات قد لا تحمل مفاجآت مهمة، نظرًا لتبدّل الفريق الإسرائيلي المفاوض الذي كان يقوده سابقًا وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.
الدور التركي بين غزة وسوريا
وفي تصريحات أدلى بها الرئيس أردوغان لوسيلة إعلامية دولية، شدّد على أن أي آلية لإدارة غزة “لن تنال ثقة الفلسطينيين ما لم تكن تركيا جزءًا منها”، في إشارة إلى موقف أنقرة القائم على تعزيز حضورها السياسي والإنساني في الأراضي الفلسطينية بعد الحرب.
ويُنظر في تل أبيب بقلق إلى هذا التوجه، إذ تخشى أنقرة أن تتحول غزة إلى ساحة نفوذ تركي جديد إذا وافقت الأطراف الدولية على إدماجها في الترتيبات المقبلة.
احتجاجات إيران تحت مجهر واشنطن وتل أبيب
وبموازاة هذه التحركات، يتابع كل من إسرائيل والولايات المتحدة باهتمام تطورات الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، حيث أظهرت صور وشهادات ميدانية أن حدة المواجهات تتزايد، في وقت تحاول الأجهزة الأمنية الإيرانية احتواء الموقف دون اللجوء حتى الآن إلى كامل قدراتها العسكرية.
وتشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن النظام الإيراني لا يعيش حالة ذعر شامل رغم توسع رقعة الاحتجاجات، لكنه يراقب بحذر ما إذا كانت هذه الموجة ستتحول إلى تهديد جدي لاستقراره، أو أنها ستنتهي كما انتهت موجات سابقة.
وقال دبلوماسي غربي إن “القلق موجود، لكنه لم يتحول إلى هلع داخل القيادة الإيرانية”، فيما وجّه ترامب تحذيرًا شديد اللهجة إلى طهران مؤكداً أن الولايات المتحدة تتابع ما يجري عن كثب، وأنها سترد بقوة إذا أقدمت السلطات الإيرانية على استخدام العنف ضد المتظاهرين كما حدث في الماضي.
قراءة ختامية
التحركات الدبلوماسية المتسارعة من أنقرة إلى طهران مرورًا بدمشق وتل أبيب، تُبرز واقعًا إقليميًا يتداخل فيه النفوذ السياسي مع الحسابات الأمنية. فتركيا تبحث عن موطئ قدم جديد يعزز حضورها في الأزمات المحيطة، بينما تجد إسرائيل نفسها بين ضغوط واشنطن وحسابات الميدان في سوريا وغزة. أما إيران، فتبقى في اختبار داخلي مفتوح يراقبه الجميع بترقب وحذر.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها التوازن الصعب بين الرغبة في النفوذ والخشية من الانفجار.
اقرأ أيضاً:










