لم يكن الخلاف السعودي الإماراتي وليد لحظة ولا سوء تفاهم عابر. القصة أعمق وأخطر، ترتبط بهوس محمد بن زايد بالهيمنة الشخصية، حتى لو كان الثمن تحطيم أقرب حلفائه. لسنوات، صُوِّر محمد بن زايد على أنه القائد الإماراتي الأكبر سنًا والأكثر خبرة، الذي أدّى دور «المرشد» لولي العهد السعودي الشاب، ودعمه في البداية وروّج له في واشنطن، وفتح له الأبواب، لا حبًا فيه بل لضمان أن يبقى القرار النهائي بيد أبوظبي.
في تلك المرحلة، كان النفوذ أولًا، والشراكة لاحقًا إن لزم الأمر. لكن المشهد تغيّر جذريًا؛ محمد بن سلمان لم يعد يقبل دور الظل، ولا أن تُدار ساحته الخلفية من أبوظبي. ومع صعود ولي العهد السعودي وتحرّره من الوصاية غير المعلنة، بدأ القلق الإماراتي يتصاعد، خصوصًا مع إدراك أن «المرشد» لم يعد ضروريًا، وأن القرار في الرياض لم يعد قابلًا للإدارة عن بُعد.
هنا تحوّل الطموح الإماراتي إلى هوس. الإمارات بنت نفوذها عبر المال والعلاقات والمؤامرات الناعمة، فيما ترى السعودية، بثقلها الديني والنفطي، نفسها القائد الطبيعي للمنطقة. عند هذه النقطة تحديدًا بدأ الصدام، وتحولت اليمن من ساحة حرب إلى ساحة كسر إرادة، وتقاطعت المصالح من اليمن إلى السودان، ومن النفط إلى الاقتصاد، بين طرف يريد القيادة من الضوء، وآخر اعتاد التحكم من الظل.
في هذا السياق، تقترب الرياض من الجيوش النظامية، بينما تراهن أبوظبي على الميليشيات. الهجوم الذي نفذه المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل إهانة مباشرة للنفوذ السعودي ورسالة واضحة: القرار ليس بيدك وحدك. فصائل تُدعَم خارج قرار السعودية، وشحنات سلاح تُرسل دون تنسيق، ورسائل إماراتية مُبطّنة تقول إن النفوذ لها حتى داخل الحدود الحيوية للمملكة. لذلك بدا الغضب السعودي عارمًا، وكأن التحالف ينهار أمام أعين الجميع، في وقت لا يرى فيه ابن زايد الخليج تحالفًا متكافئًا، بل شبكة نفوذ تتمحور حوله شخصيًا، ومن يخرج عن هذا المدار يصبح عبئًا يجب كبحه، ولو كان محمد بن سلمان نفسه.
اقرأ أيضا:










