وطن-في السنوات الأخيرة، تحولت تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرد أدوات للمعلومة أو المساعدة التقنية. إذ بات عدد متزايد من المراهقين يجدون فيها متنفسًا عاطفيًا وبديلًا عن الحوار الإنساني، إلى درجة أن نحو ثلاثة من كل أربعة مراهقين جرّبوا التحدث إلى “رفيق رقمي”، بينما يفضّل ثلثهم مناقشة مشكلاتهم الشخصية معه بدلًا من البشر.
ويًذكر أنه سبب تنامي هذه الظاهرة، هو اعتماد المراهقين على “الدردشة الحميمة” التي تقدمها هذه البرامج، إذ تُصاغ إجاباتها بعبارات داعمة توحي بالتعاطف مثل “أنا هنا من أجلك”، مما يمنح المستخدمين إحساسًا زائفًا بالأمان وكأنهم يرتبطون بعلاقة حقيقية. غير أن تجارب علمية سابقة كشفت أن هذه البرامج لا تقدم استجابات مناسبة في سوى 22% من حالات الطوارئ النفسية لدى اليافعين.
مخاطر التعلّق العاطفي بالذكاء الاصطناعي
من جهتهم، يحذر مختصون في الصحة النفسية من أن الانغماس الطويل في محادثات الذكاء الاصطناعي قد يزيد احتمالات العزلة العاطفية والانسحاب الاجتماعي، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين. فبرغم ما تقدمه هذه التقنية من دعم فوري وسرية في الحديث، إلا أن الإفراط في استخدامها قد يولد اعتمادًا نفسيًا، ويضعف الروابط الأسرية والواقعية في حياة الشبان.

دراسة تكشف تأثير أسلوب الحديث
أجري بحثٌ حديث عام 2025 على 284 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا، إلى جانب ذويهم، حاول فهم تأثير أسلوب الحوار على مشاعر المستخدمين. في التجربة، قُدّمت للمشاركين محادثتان افتراضيتان بين مراهق وروبوت دردشة يتحدث عن شعوره بعد استبعاده من مشروع جماعي.
يعتمد السيناريو الأول على “أسلوبٍ عاطفيٍ” يشبه لغة الأصدقاء، فيردّ الروبوت بعبارات مثل “أفهمك” و”أنا دائمًا هنا لأسمعك”. أما السيناريو الثاني فكان يتركّز على “الأسلوب الشفاف”، إذ يوضح الروبوت منذ البداية أنه لا يملك مشاعر حقيقية، ويقدّم النصائح نفسها بلغة محايدة.
كشفت النتيجة أن ثلثي المراهقين فضّلوا الروبوت الودود الذي يتحدث بلهجة أقرب للبشر، معتبرين أنه أكثر صدقًا وقربًا، فيما اختار 14% فقط الأسلوب الشفاف. لكن المفارقة أن المشاركين قيّموا فائدة التجربتين بالمستوى نفسه، ما يعني أن الإفصاح عن حدود قدرات الذكاء الاصطناعي لا يقلل من دعمه العملي.
أما الأهالي، فقد أظهر نصفهم تقريبًا ميلًا إلى النماذج الودودة، بينما فضّل آخرون أسلوب الصراحة والوضوح، معتبرين أن الحفاظ على الحدود بين الإنسان والتقنية ضرورة لحماية أبنائهم من التعلّق العاطفي المفرط.
حين تزداد الوحدة… يتسع اللجوء إلى الرفيق الرقمي
بيّنت الدراسة أيضًا أن المراهقين الذين يفضلون المحادثات “الحميمية” غالبًا ما يعانون من هشاشة في علاقاتهم الأسرية والصداقات، إضافة إلى مستويات أعلى من التوتر والقلق. فكلما ضعف الإحساس بالدعم الإنساني، زاد الميل إلى البحث عن بدائل رقمية تمنح شعورًا زائفًا بالقبول والاحتواء.
هذا النمط لا يقتصر على اليافعين؛ إذ لوحظ أيضًا بين كبار السن الذين يعانون الوحدة، ما يعكس ما يُعرف بـ”التعويض الاجتماعي” عبر الوسائط التقنية.
حقيقة الدعم وحدود العاطفة
لا شكّ في أن فترة المراهقة مرحلة مليئة بالعاطفة، وقد يجد بعض المراهقين في الذكاء الاصطناعي وسيلة آمنة للتعبير عن اضطراباتهم دون خوف من الحكم أو الرفض. لكن حين يبدأ الروبوت بترديد عبارات مثل “أنا أهتم بك”، يصبح خطر التعلق النفسي حقيقيًا، إذ تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، ويستبدل المراهق العلاقات الحقيقية بروابط رقمية.
ويؤكد الخبراء أن فاعلية الذكاء الاصطناعي ليست مشروطة بتقمصه دور “الصديق الحميم”. فالمساعدة يمكن أن تبقى مؤثرة حين تكون شفافة وصريحة بشأن قدرات التقنية وحدودها.

نحو ذكاء اصطناعي أكثر أمانًا للمراهقين
من جانبهم، يقترح المختصون جملة من الضوابط لحماية المراهقين من مخاطر الاستخدام العاطفي للتقنيات:
- أن يصمم المطورون أنظمة تذكّر المستخدمين دوريًا بأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك مشاعر، مع الحفاظ على لهجة داعمة ولطيفة.
- أن تُدرج إشارات توعية أخلاقية داخل واجهات الاستخدام توضّح الفرق بين الدعم التقني والعلاقة الإنسانية.
- وأخيرًا، أن ينخرط الآباء في حوار مفتوح مع أبنائهم حول تجاربهم مع هذه البرامج، إذ أظهر ثلث المراهقين المستطلعين أنهم واجهوا ردودًا غير مريحة من روبوتات المحادثة.
التعاطفي الإنساني المباشر
في الحقيقة، تعتبر جاذبية “التعاطف الرقمي” هائلة، خصوصًا لأولئك الذين يشعرون بالعزلة أو الرفض، لكن أشدّ ما يحتاجه المراهق في نهاية المطاف هو حضور بشري حقيقي. فالكلمات التي قد يقولها الروبوت بلطف لا يمكن أن تحل محل المشاعر والعاطفة.
اقرأ أيضاً:










