وطن-في عالمٍ يبدو خاضعاً لتقلبات غير متوقعة، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأسواق المالية — على اختلافها — قد تخضع جميعها لقانون واحد يحكم اتجاهات الأسعار. فسواء كانت الأسهم لشركات كبرى مثل “تويوتا”، أو العملات الرقمية مثل “البيتكوين”، أو السلع الاستراتيجية كسوق النفط والعملات الأجنبية، فإن طريقة تَغيّر أسعارها عند التداول تتبع نمطاً حسابياً مشتركاً، أثبتته بيانات حقيقية جُمعت على مدى ثمانية أعوام.
من الفرضية إلى البرهان العلمي
في ديسمبر من عام 2025، أعلن الباحثان اليابانيان يوكي ساتو وكيّوشي كانازاوا عن نتائج دراسة موسّعة أجريت على ملايين المعاملات في بورصة طوكيو، ليقدما ما وصفاه بـ”الدليل القاطع” على ما يُعرف بـ”قانون الجذر التربيعي لتأثير السعر”. وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يصف بدقة العلاقة بين حجم الصفقة وتغير السعر الناتج عنها، مستندين إلى معادلة رياضية بسيطة تؤكد أن العلاقة ليست خطية، بل تتناسب مع الجذر التربيعي لحجم التداول.
يشرح الباحثان أن “القيمة الإحصائية للثابت δ تساوي ½ ضمن حدود الخطأ التجريبي، سواء على مستوى الأسهم أو على مستوى المتعاملين الأفراد”، وهو ما يؤكد ثبات النمط الموحّد رغم اختلاف طبيعة الأصول أو هويات المستثمرين.
مغزى القانون الجديد بلغة مبسطة
ويعني هذا الاكتشاف أن زيادة حجم عملية الشراء أو البيع لا يؤدي إلى زيادة سعر الأصل المالي بنفس النسبة. فلو أن شراء 1% من حجم التداول اليومي لسهم معيّن يؤدي إلى ارتفاع سعره بنسبة 10%، فإن شراء 4% لن يرفع السعر 40% كما قد يُتوقع، بل نحو 20% فقط. هذا السلوك، الذي ظهر سابقاً في مؤشرات وأسواق متفرقة، لم يكن حتى الآن مثبتاً كقانون كوني يخضع له الجميع دون استثناء.
خلف الكواليس: ثمانية أعوام من البيانات الدقيقة
استفاد الباحثان من قاعدة بيانات ضخمة وفرها “مجموعة التبادل اليابانية” المشرفة على بورصة طوكيو، تضمنت جميع أوامر الشراء والبيع خلال فترة الدراسة. ومن خلال تتبع هذه المعاملات، تمكن الفريق من تحليل ما يُعرف بـ”الأوامر الكُلية” أو Metaorders — وهي العمليات الضخمة التي يقسّمها المستثمرون المؤسسيون إلى أوامر صغيرة لتجنّب تحريك السوق بشكل حاد.
بتحليل تأثير هذه الأوامر في السعر، وربطها بعوامل مثل التقلب اليومي وحجم التداول الإجمالي، توصّل العلماء إلى منحنى إحصائي دقيق بلغ قمته عند القيمة 0.5، مع انحراف معياري لا يتجاوز 0.071، ما يؤكد قوة الترابط في البيانات واستقرار النتيجة.
معادلة تختزل الظاهرة
المعادلة التي تصف الظاهرة يمكن تبسيطها كما يلي:
I(Q) = c × Q¹ᐟ²
حيث تمثل I(Q) متوسط التغير في السعر، وQ هو حجم العملية بالنسبة إلى إجمالي التداول اليومي، بينما c ثابت يتصل بتقلب الأصل المالي دون أن يغيّر بنية القانون نفسه. النتيجة الجوهرية هنا أن تأثير الحجم على السعر ينمو ببطء وفق الجذر التربيعي، أي أن مضاعفة حجم الصفقة لا تعني مضاعفة الأثر في السعر.
تفنيد للنظريات السابقة
قبل هذا البحث، انقسمت تفسيرات خبراء الفيزياء الاقتصادية حول سبب تغيّر الأسعار إلى نموذجين: نموذج GGPS الذي يربط التأثير بحجم الأوامر مباشرة، ونموذج FGLW الذي يربطه بطريقة تقسيم الصفقات. لكن تحليل بيانات طوكيو كشف أن أياً من النموذجين لا يفسر النتائج الحقيقية، إذ لم يظهر أي ترابط بين القيم النظرية لتلك النماذج ومعامل δ المقيس تجريبياً.
في المقابل، جاءت النتائج متسقة مع ما يُعرف بـ”نظرية السيولة الكامنة” التي وضعها الباحث جان فيليب بوشو وزملاؤه، والتي تفترض أن سيولة السوق — أي حجم الأوامر المتاحة — تزداد كلما ابتعدنا عن السعر الحالي، مما يولد مقاومة تدريجية لحركة الأسعار، وتفسر بالتالي الصيغة الجذرية في العلاقة المكتشفة.
قانون “كوني” في نظام مالي متقلب
ما يجعل هذه النتيجة فريدة هو إثباتها لشكلٍ من “القوانين الطبيعية” داخل نظام اقتصادي يوصف عادة بالفوضوية. مثلما تخضع الغازات والجاذبية لقوانين فيزيائية ثابتة، يبدو أن الأسواق المالية أيضاً تلتزم بعلاقة واحدة تحكم تفاعل العرض والطلب على نطاق واسع. والأهم أن هذه القاعدة تنطبق على أكثر من ألفي سهم ونحو 1200 متداول نشط، وفق تحليل إحصائي غير مسبوق في الدقة.
أبعاد اقتصادية وتنظيمية واسعة
تفتح هذه الدراسة الباب أمام تحسين نماذج التنبؤ المالي وتطوير خوارزميات استثمارية أكثر دقة، إذ تمكّن المؤسسات من تقدير تأثير أوامرها قبل تنفيذها فعلياً. كما توفر معرفة علمية يمكن أن تعتمدها الهيئات التنظيمية والبنوك المركزية لتفادي اضطرابات الأسواق وتخفيف احتمالات الانهيار المالي الناجم عن قرارات بيع أو شراء ضخمة ومفاجئة.
ولعل الأثر الأهم لهذا الكشف يكمن في البُعد الإنساني للنظام المالي: فكل قرار استثماري، مهما بدا صغيراً، يترك بصمته داخل شبكة معقدة من التفاعلات العالمية. ما يقدمه هذا القانون هو فهم أعمق لكيفية انتقال تلك التأثيرات، ليس بمعزل عن الأرقام، بل بوصفها حركة جماعية تعكس ديناميكية الأسواق الحديثة.
ختاماً, كشفت هذه الدراسة أن وراء فوضى التداول اليومي نمطاً موحداً يمكن أن يساهم في بناء أسواق أكثر استقراراً وعدالة. وإن إدراك المستثمرين والمؤسسات لهذا النمط لا يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل يمثل أداة توعية لتقدير أثر قراراتهم ولضمان استدامة النظام المالي العالمي في عالم سريع التفاعل ومتصل أكثر من أي وقت مضى.
اقرأ ايضاً
البيتكوين بين مدّ التفاؤل واحتمالات التراجع: عام 2026 يُرسم بمعادلات الاقتصاد والسياسة










