وطن-تحوّل الكولاجين خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أشهر المكملات الغذائية في الأسواق، مدفوعًا بوعود براقة عن بشرة ناعمة وشعر قوي ومفاصل مرنة. ومع ذلك، فإن خلف هذا الرواج الهائل حقائق علمية دقيقة تُظهر أن امتصاص هذه المادة في الجسم لا يتم كما يُروّج له في الحملات الدعائية.
تعقيد الامتصاص داخل الجسم
يُعتبر الكولاجين بروتين ضخم الحجم لا يمكن امتصاصه مباشرة عبر الأمعاء إلى مجرى الدم، إذ يقوم الجسم بتفكيكه إلى مكوّناته الأساسية من الأحماض الأمينية قبل أن يُعيد استخدامها. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تكون بطانة الأمعاء متضررة أو تعاني من التهابات، ما يجعل امتصاص المكمل ضعيفًا أو شبه معدوم، فيتحوّل الكولاجين عمليًا إلى واحدة من أغلى البروتينات التي يتخلّص منها الجسم دون فائدة تُذكر.
صحة الأمعاء أولاً
لكي يتمكن الكولاجين (بصيغته المحللة أو على هيئة ببتيدات) من أداء دوره الفعلي في تكوين الأنسجة، يجب أن يصل إلى الخلايا الليفية المسؤولة عن إنتاج الكولاجين الجديد. لكنّ هذا لا يحدث إلا إذا كانت جدران الأمعاء السليمة قادرة على تمرير تلك الجزيئات. من هنا تأتي أهمية “تهيئة” الجسم قبل اللجوء إلى المكملات، ويبرز في هذا السياق دور مرق العظام الطبيعي كعنصر غذائي فعّال.
مرق العظام… الخطوة التمهيدية الضرورية
قد يبدو غريبًا أن يُنصح بتناول غذاء غني بالكولاجين لتحضير الجسم لتلقي الكولاجين ذاته، إلا أنّ مرق العظام المطهو ببطء (من 12 إلى 24 ساعة) يوفّر مكوّنًا أساسيًا يغيب غالبًا عن المساحيق التجارية، هو الحمض الأميني L-غلوتامين.
تُعدّ الغلوتامين الوقود الأساسي لخلايا الأمعاء، إذ تعمل كـ«ملاط» يعيد ترميم الفجوات بين الخلايا ويُعيد للأمعاء تماسكها الطبيعي. وبهذا تسهم في إصلاح ما يُعرف مجازًا بـ«الأمعاء المسربة» التي تعيق امتصاص العناصر الغذائية.
ثلاثة مكاسب لصحة الجهاز الهضمي
إنّ تناول مرق العظام أو مكملات غذائيّة تحتوي على الغلوتامين والغلايسين تُحقق ثلاث فوائد جوهرية للجهاز الهضمي وهي كالاتي:
- تحسين الامتصاص الحيوي: فحين تستعيد الأمعاء توازنها، يصبح امتصاص ببتيدات الكولاجين أكثر فاعلية ووصولها إلى الدم ممكنًا.
- الحد من الالتهابات العامة: فالأمعاء السليمة تخفف من انتقال السموم إلى الكبد، مما يعزز قدرة الجسم على إنتاج البروتينات البنائية.
- إمداد الجسم بعناصر مساعدة: يحتوي المرق الطبيعي على الهيلورونيك والكوندرويتين، وهما عنصران يهيئان النسيج الضام لاستقبال الكولاجين الجديد.
دور الفيتامينات في تنشيط الكولاجين
حتى بعد ضمان امتصاصه، لا يمكن للكولاجين أداء وظيفته دون “العامل المساعد” الرئيسي: فيتامين “سي”. هذا الفيتامين يشارك في تفاعلات كيميائية حيوية حاسمة تُعرف بعملية “الهيدروكسلة”، التي تسمح بتكوين البنية الحلزونية الثلاثية للكولاجين. لذا فإن تناول المكمل دون فيتامين “سي” يشبه إرسال مواد البناء إلى ورشة بلا عمّال.
ويُنصح كذلك بإدخال أغذية غنية بعنصر السيليكون مثل الخيار أو عشبة ذيل الحصان، إذ تسهم في تقوية الأنسجة الضامة وتكامل البروتين الجديد داخل الخلايا.
توازن قبل التجميل
الاعتناء بالبشرة أو المفاصل لا يبدأ من عبوة مسحوق باهظة الثمن، بل من داخل الجهاز الهضمي نفسه. فتهيئة الأمعاء، وتوفير العناصر المساندة كفيتامين “سي” والسيليكون، يضمنان استثمار كل جرام من المكملات بطريقة فعليّة.
وفي النهاية، يذكّر الخبراء بأن الجمال الحقيقي هو انعكاس لصحة داخلية متوازنة، وأن أفضل استثمار في هذا السياق يبدأ من طبق مرق العظام الدافئ قبل أي عبوة كولاجين مصنّعة.










