وطن-في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أنظمة زراعية أكثر توازناً مع البيئة، تكشف دراسة علمية جديدة عن أكثر المفاهيم رسوخاً في علم الزراعة. فقد أظهرت دراسة حديثة أن الصفات الجينية الفريدة لكل نوع من أنواع الأرز تؤثر بدرجة تفوق بكثير عملية الاستئناس نفسها في تشكيل المجتمعات الميكروبية التي تعيش حول النبات. هذه النتيجة تفتح الباب أمام فهم أعمق لتفاعل النباتات مع بيئتها، وتضع أسسًا جديدة لاختيار السلالات الزراعية مستقبلاً.
يُعد الأرز غذاءً رئيسياً لأكثر من نصف سكان العالم، إلا أن ما يجري في الجذور والأوراق من تفاعلات ميكروبية يكاد يظل مجالاً غامضاً حتى الآن. هذه الكائنات الدقيقة التي ترافق النبات ليست مجرد مكونات ثانوية في بيئته، بل تساهم في خصوبة التربة وصحة النبات، وتؤثر بصورة مباشرة في توازن الأنظمة الإيكولوجية الزراعية.
الجينات أولاً… لا الاستئناس
كشفت الدراسة التي قادها الباحث يوي ين وفريق من المتخصصين، أن “الهوية الجينية” لنبتة الأرز أكثر تأثيراً في تركيب ووظائف المجتمعات الميكروبية من كون النبتة برية أو مزروعة منزلياً. ويقول الباحثون إن هذه النتيجة تتحدى الرؤية التقليدية التي اعتبرت عملية الاستئناس العامل الحاسم في تحديد الميكروبيوم النباتي.
ولإثبات ذلك، أجرى العلماء تجربة داخل بيت زجاجي شملت سبعة أنماط جينية: ثلاث سلالات مزروعة وأربع من أقاربها البرية. زُرعت النباتات في تربة عُولجت بثلاث مستويات من التسميد النيتروجيني (منخفض، متوسط، مرتفع)، وذلك لمحاكاة ظروف الزراعة الحديثة. وكانت المفاجأة أن الفروق بين الأنماط الجينية فسّرت التغيرات الميكروبية بدرجة أعلى بكثير من الفروق بين النباتات البرية والمستأنسة.
بيئتان متكاملتان… وتوقيع جيني واحد
أظهرت الدراسة أن الميكروبيومات في منطقتي الجذور (الريزوسفير) والأوراق (الفيلوسفير) تختلف في طبيعتها ووظائفها، لكنها تشترك في أمر أساسي: كلاهما يتأثر مباشرة بالتركيب الجيني للنبات.
في منطقة الجذور، لوحظ أن الأنماط الجينية البرية كانت أكثر قدرة على الصمود أمام الزيادة العالية في الأسمدة النيتروجينية، بينما فقدت السلالات المزروعة جزءاً من تنوعها الميكروبي عند التعرض لمستويات مرتفعة من النيتروجين، ما قد يؤدي إلى ضعف في دورات المغذيات أو في قدرة التربة على تخزين الكربون. وفي منطقة الأوراق، اتضح أن العناصر الكيميائية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والزنك والفوسفور تتباين تبعاً للهوية الجينية، وأن هذا التباين ينعكس بدوره على طبيعة الميكروبات التي تستطيع العيش هناك. بذلك تصبح الورقة بيئة انتقائية، تصوغها الجينات وتوجّه من يمكنه الاستيطان فيها.
أثر الجينات يمتد إلى التربة والنبات
لم يتوقف تأثير الهوية الجينية عند حدود الميكروبات. فقد بيّنت النتائج أن تنوع الجينات في الأرز يؤثر في خصائص التربة الكيميائية والفيزيائية، بما في ذلك كمية الكربون العضوي ودرجة الحموضة وتركيز النترات. وتوضح الدراسة أن تأثير التفاعلات بين الهوية الجينية ومستويات النيتروجين المضاف كان أقوى بكثير من تأثير الاستئناس على معدلات حجز الكربون في التربة. بعبارة أخرى، يمكن لاختيار الصنف المناسب أن يحدد إلى حد كبير قدرة التربة على الاحتفاظ بالمادة العضوية.
أما في النبات ذاته، فقد ظهرت اختلافات واضحة بين الأنماط الجينية في عدد السيقان والكتلة الحيوية وتركيز المغذيات في الأوراق. هذا التنوع الداخلي يُعد، وفق الباحثين، فرصة ثمينة لتحسين الإنتاج الزراعي من خلال العمل مع الطبيعة بدل الاعتماد المفرط على الأسمدة الكيميائية.
من الزراعة المكثفة إلى الزراعة الذكية
يُبرز هذا البحث أهمية التنوع الوراثي داخل الأنواع الزراعية كمصدر أساسي للاستدامة. فالتوجه المستقبلي ينبغي ألا يقتصر على المفاضلة بين أصناف برية ومستأنسة، بل على دراسة التكوين الجيني لكل سلالة ومدى قدرتها على بناء علاقة متوازنة مع الميكروبات المحيطة بها. مثل هذا الفهم قد يساعد العلماء على تطوير أصناف تتفاعل إيجابياً مع بيئتها، ما يقلل من الحاجة إلى الأسمدة والمبيدات.
ويشير الفريق البحثي إلى أن الأصناف البرية، التي تطورت بعيداً عن التأثير البشري، ربما تحمل سمات فقدتها الأنواع المزروعة عبر التاريخ — كقدرتها على تحمّل التسميد الزائد والحفاظ على مجتمعات ميكروبية متوازنة وفعالة.
الخطوة التالية في رحلة البحث
وعلى الرغم أن النتائج تفتح آفاقاً جديدة، إلا أنّ الباحثين يؤكدون أنّ تجربتهم أُجريت في ظروف محكومة داخل بيت زجاجي، وهو ما لا يعكس تماماً تعقيد البيئة الزراعية الواقعية. كما اقتصر العمل على سبعة أنماط جينية فقط، ما يجعل من الضروري توسيع التجارب لتشمل مزيداً من السلالات والبيئات الطبيعية قبل تطبيق النتائج على نطاق واسع.
ختاماً، يشكّل هذا العمل نقطة انطلاق نحو مفهوم جديد للزراعة الدقيقة، يقوم على التكامل بين الجينات والكائنات الدقيقة والتربة في منظومة إنتاج أكثر توازناً واستدامة. ففي زمن تتفاقم فيه التحديات البيئية، يبدو أن الحلول قد تكون كامنة في جذور النباتات ذاتها، وفي شفرة الحياة الصغيرة التي تحملها داخلها.
اقرأ المزيد
فوائد مذهلة لتناول اللوز يومياً: 10 تغيّرات صحية تحدث لجسمك عند المداومة عليه










