وطن – في وثيقة بصرية نادرة تعود إلى ما يقارب قرنًا من الزمن، يظهر أقدم فيديو معروف لمدينة النجف الأشرف، صُوّر عام 1927 بعدسة المصوّر الفرنسي فريدريك جودمر خلال رحلته إلى العراق.
الفيلم، الذي أُنتج في الأصل صامتًا، خضع لاحقًا لمراحل متقدمة من الترميم والتحسين الرقمي، شملت إعادة تلوينه بتقنيات حديثة، إلى جانب إضافة مؤثرات صوتية تحاكي أجواء المكان، ما أعاد الحياة إلى مشاهد المدينة وشوارعها وأسواقها وناسها.
لا تكمن قيمة هذا الفيديو في ندرته التقنية فحسب، بل في كونه شهادة بصرية حيّة على واحدة من أقدم المدن الإسلامية وأكثرها تأثيرًا في التاريخ الديني والفكري للمنطقة، مدينةٍ لم تكن يومًا مجرد عمران، بل مركزًا للعلم والعقيدة والجدل الفقهي والسياسي.
النجف الأشرف: مدينة العلم والمرجعية
وتعود الأهمية التاريخية للنجف الأشرف إلى احتضانها مرقد الإمام علي بن أبي طالب، أول أئمة الشيعة ورابع الخلفاء الراشدين عند المسلمين. ومنذ القرن الأول الهجري، تحوّلت المدينة إلى وجهة روحية كبرى ومركز جذب للزائرين وطلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ومع مرور القرون، لم تكتفِ النجف بدورها الديني، بل أصبحت عاصمةً للفكر الشيعي، حيث نشأت فيها واحدة من أعرق المؤسسات العلمية في الإسلام: الحوزة العلمية. هذه الحوزة لم تكن مجرد مدرسة دينية، بل مؤسسة أنتجت فقهاء ومراجع لعبوا أدوارًا محورية في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق والمنطقة.
مكانة النجف عند الشيعة
تمثل النجف الأشرف عند الشيعة الاثني عشرية قلب المرجعية الدينية العليا. فمنها تصدر الفتاوى الكبرى، ومنها تُرسم مواقف شرعية تؤثر في ملايين المؤمنين، ليس في العراق وحده، بل في إيران ولبنان والخليج والهند وباكستان وأوروبا والأميركيتين.
ولهذا، ارتبط اسم النجف بمفهوم المرجعية المستقلة، التي غالبًا ما وقفت في وجه السلطات السياسية، سواء في العهد العثماني، أو خلال الاستعمار البريطاني، أو في ظل الأنظمة الحديثة. وقد لعب علماء النجف أدوارًا بارزة في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وفي محطات مفصلية لاحقة من تاريخ العراق.
من الذاكرة البصرية إلى الذاكرة الحضارية
إعادة إحياء فيديو النجف الأشرف لعام 1927 ليست مجرد عملية ترميم تقني، بل استعادة لذاكرة مدينة شكّلت أحد أعمدة التاريخ الإسلامي. فالمشاهد الملوّنة تعيد تقديم النجف ليس بوصفها مدينةً ساكنة في الكتب، بل ككائن حيّ: ناس يمشون، أسواق تعجّ بالحركة، وفضاء ديني يتداخل فيه اليومي بالمقدّس.
بهذا المعنى، يصبح الفيديو أكثر من أرشيف؛ إنه جسرٌ بين الماضي والحاضر، يذكّر بأن النجف الأشرف لم تكن يومًا هامشًا في التاريخ، بل كانت — وما تزال — مركزًا يصنعه.
اقرأ أيضاً:
مقتدى الصدر يشبه مدينة النجف بمكة المكرمة ويصفها “البلد الأمين”
غضب شعبي في العراق بعد تداول فيديو يظهر شباباً يغسلون أقدام معممين إيرانيين في النجف وكربلاء










