لندن – وطن – لأعوام طويلة، كانت سلطنة عُمان تُقدَّم بوصفها الوسيط الهادئ في حروب المنطقة. لا ترفع صوتًا، لا تدخل محاور، ولا تنخرط في الصدامات. بوابة تفاوض بين واشنطن وطهران، وممر رسائل بين الخصوم.
لكن ما جرى في اليمن مؤخرًا — كما يكشف موقع Middle East Eye البريطاني — يؤكد أن مسقط غادرت موقع الوساطة ودخلت مربع الفعل الأمني المباشر… بصمت.
من الحياد إلى تبادل الاستخبارات
بحسب تقرير Middle East Eye، فإن عُمان شاركت السعودية معلومات استخباراتية حساسة، وساعدت في تنسيق الضربات الجوية التي استهدفت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في محافظة المهرة أواخر ديسمبر ومطلع يناير.
وأكد دبلوماسي غربي وآخر عربي للموقع أن التعاون لم يكن سياسيًا فقط، بل عملياتيًا ميدانيًا.
أما السبب فكان أخطر من مجرد خلاف يمني داخلي.
مشروع انفصال على حدود عُمان
ويقول محللون نقل عنهم Middle East Eye إن مسقط والرياض حصلتا على معلومات تفيد بأن المجلس الانتقالي كان يخطط لإعلان انفصال جنوب اليمن على غرار تجربة “أرض الصومال”.
وهذا – بالنسبة لعُمان – يعني شيئًا واحدًا:
كيان انفصالي مسلح على حدودها المباشرة.
الخبير الأمني إبراهيم جلال وصف ما حدث بقوله:
“عُمان تصرفت في الظل… كما تأثرت السعودية بمغامرة الانتقالي في حضرموت، تأثرت عُمان بمغامرته غير المحسوبة في المهرة.”
الضربة السعودية… والنتيجة الفورية
ودمر الهجوم الجوي السعودي قوات المجلس الانتقالي في المناطق الصحراوية المفتوحة،
وفرّ زعيمه عيدروس الزبيدي من عدن إلى الإمارات مرورًا بأرض الصومال.
وبذلك انتهى فعليًا مشروع السيطرة الانفصالية على بوابة بحر العرب، وانتقلت السيطرة إلى قوات موالية لمجلس القيادة الرئاسي المدعوم سعوديًا.
وهنا — كما يقول تقرير Middle East Eye — لم تكن عُمان مجرد مراقب، بل شريكًا هادئًا في منع اكتمال المشروع الإماراتي.
لماذا تخوّفت مسقط لهذه الدرجة؟
الجواب يعود إلى التاريخ.
عُمان خاضت في الستينيات والسبعينيات حربًا شرسة ضد تمرد ظفار المدعوم آنذاك من جنوب اليمن الماركسي.
وذاكرة التمرد والانقسام ما تزال حية في العقيدة الأمنية العُمانية.
كما ترتبط قبائل المهرة بعلاقات اجتماعية واقتصادية وثيقة مع الداخل العُماني.
لذلك فإن قيام سلطة انفصالية مسلحة غير مضمونة الولاء على حدود السلطنة خط أحمر وجودي.
ويحدد محللون ثلاثة خطوط حمراء لعُمان في اليمن:
- منع تمدد النفوذ الإماراتي قرب حدودها
- منع وصول الانفصاليين إلى تخومها
- منع تمركز السلفيين المسلحين على حدودها
وأعاد الهجوم السعودي – بدعم استخباراتي عُماني – أعاد هذه الخطوط إلى مكانها.
من تقارب الرياض ومسقط… إلى انكشاف أبوظبي
التقرير يخلص إلى نتيجة بالغة الدلالة:
“تصرفات الإمارات دفعت الرياض ومسقط إلى التقارب أكثر.”
أي أن المغامرة الإماراتية في اليمن لم تخلق نفوذًا إضافيًا، بل وحّدت خصمين تقليديين للعب ضدها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
عُمان التي كانت تخشى تحالفًا سعوديًا-إماراتيًا كاملًا في 2015،
أصبحت اليوم ترى في الخلاف السعودي الإماراتي فرصة استراتيجية لحماية أمنها.
المنافسة الخليجية تتحول إلى صراع نفوذ مفتوح
Middle East Eye يشير إلى أن ما بدأ في اليمن، امتد إلى:
- السودان (الإمارات تدعم قوات الدعم السريع – السعودية تدعم الجيش)
- القرن الإفريقي
- البحر الأحمر
وبحسب التقرير، فإن ولي العهد السعودي طلب تدخلًا أمريكيًا ضد التحركات الإماراتية في السودان، في سابقة تعكس حجم التصعيد.
ماذا عن دور عُمان الآن؟
رغم هذا الانخراط الأمني، تحاول مسقط عدم إعلان الخصومة مع أبوظبي علنًا.
لا بيانات هجومية. ولا تصعيد إعلامي.
لكن — كما يقول أحد الدبلوماسيين —
“عُمان انحازت ضد الإمارات… دون أن تقول ذلك صراحة.”
الخلاصة
عُمان لم تعد مجرد وسيط.
لقد تحولت إلى حارس حدود استراتيجي في معركة منع تفكيك اليمن.
وبينما كانت أبوظبي تعتقد أن الطريق إلى بحر العرب مفتوح،
جاء الرد من السماء السعودية…
وبمعلومات من خلف الجبال العُمانية.
وهكذا، وللمرة الأولى منذ عقود،
مسقط تدخل الحرب… ولكن من غرفة العمليات لا من ساحة المعركة.
كلمات مفتاحية (SEO)
عمان اليمن، Middle East Eye، المجلس الانتقالي الجنوبي، السعودية والإمارات، المهرة اليمن، عيدروس الزبيدي، الصراع الخليجي، النفوذ الإماراتي، الاستخبارات العمانية، حرب اليمن، الانفصال الجنوبي، بحر العرب.
اقرأ أيضاً:










