وطن-في عالم يزداد فيه الإيقاع اليومي تسارعًا، يشكو كثير من الناس من شعور دائم بالإرهاق يفوق حدود التعب العابر. فقد أظهرت بيانات «مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها» في الولايات المتحدة أن أكثر من 13.5% من البالغين يعانون إحساسًا مستمرًا بالتعب معظم الأيام أو كل يوم، وهو ما يؤثر سلبًا ليس فقط على قدرتهم الجسدية، بل أيضًا على المزاج والتركيز وجودة الحياة عمومًا.
ورغم أن قلة النوم تقف في مقدمة الأسباب المحتملة، نتيجة لضغوط الحياة أو وجود طفل صغير أو شريك يشخر أو عوامل بيئية مزعجة، فإن القائمة لا تنتهي عند هذا الحد. فالاكتئاب، وسوء التغذية، والإفراط في تناول الكافيين أو الكحول، وضغوط العمل المزمنة أو الاحتراق النفسي، وبعض الأدوية، كلها يمكن أن تسهم في استنزاف الطاقة تدريجيًا. وغالبًا ما تتداخل هذه العوامل، فيتآكل المخزون الحيوي للإنسان ببطء من دون أن يلحظ.
الغذاء نقطة الانطلاق
يؤكد الخبراء أن أولى الخطوات لاستعادة النشاط تكمن في مراجعة النظام الغذائي. فالجسم لا يستطيع الحفاظ على طاقته إذا لم يتوفر له الوقود المناسب. وتشير أبحاث علمية حديثة إلى أن تأثير الطعام لا يعتمد فقط على نوعيته، بل أيضًا على ترتيب تناوله أثناء الوجبة، وهي فكرة باتت تُعرف بـ«تسلسل الوجبات».
ففي دراسة نُشرت عام 2024، وجد الباحثون أن تناول الخضراوات والأطعمة الغنية بالبروتين قبل الكربوهيدرات يقلل من ارتفاع مستوى السكر في الدم مقارنة بتناول الكربوهيدرات أولًا، ما ينعكس على ثبات الطاقة وتقليل الشعور بالتعب. وأكد تقرير منشور في دورية Nutrients أن ترتيب الأطعمة يُحدث فرقًا في الشعور بالشبع ومستويات سكر الدم والالتهابات. ويوصي الباحثون ببدء الوجبات بالماء والأطعمة الغنية بالألياف (مثل الخضار)، ثم البروتين، فالدهون والكربوهيدرات المعقدة، وأخيرًا الحلويات أو الكربوهيدرات المكررة.
رأي اختصاصيي التغذية
توضح أخصائية التغذية المسجّلة ميليسا كارب، مؤسسة “MPM Nutrition”، أن لهذا الأسلوب ما يدعمه علميًا في استقرار الطاقة، لكنها تدعو إلى التعامل معه بواقعية. وتشرح أن تناول البروتين والخضراوات أولًا يساعد على توازن سكر الدم، ما يؤدي إلى إطلاق تدريجي للطاقة عند تناول الكربوهيدرات لاحقًا بدل الارتفاع السريع والانخفاض المفاجئ. كما يشبع هذا الترتيب بشكل أفضل، مما يقلل من الإفراط في تناول الأطعمة النشوية.
وتضرب كارب مثالًا بوجبة المعكرونة في المطعم: من يبدأها بسَلَطة وخضار بحرية غالبًا لن يشعر بالجوع الشديد عند وصول الطبق الرئيسي، وبالتالي يأكل كمية أقل ويحافظ على طاقته بعد الوجبة. لكنها تشدد على أن التوازن العام للمكونات (بروتين، ألياف، كربوهيدرات) أهم من الالتزام الصارم بالترتيب، فجوهر الطاقة المستدامة هو تكامل العناصر الغذائية، لا تسلسلها فقط.
أما أخصائية التغذية والكاتبة آشلي كوف، مؤسسة برنامج “Better Nutrition”، فتبدي تشككًا أكبر في الأثر الفيزيولوجي لتسلسل الوجبات مقارنة بتركيبة الوجبة نفسها. وترى أن كل وجبة يجب أن تحتوي على مزيج متوازن من البروتينات والدهون والكربوهيدرات، مع ضرورة كفاية ترطيب الجسم، لأن قلة الماء سبب خفي للإرهاق لدى كثيرين.
الكربوهيدرات: عدو مزعوم أم مصدر طاقة ذكي؟
تؤكد كوف أن الكربوهيدرات ليست العدو. فهي وقود سريع للجسم ووسيلة لنقل العناصر اللازمة لعمليات الأيض. وتضيف أن معظم الأطعمة لا تحتوي على الكربوهيدرات فقط، بل إلى جانبها مواد مغذية أخرى. وتشير كارب إلى أن الكربوهيدرات المشتقة من النباتات، مثل الفاكهة والحبوب الكاملة والبقول، تمنح الجسم الألياف ومضادات الأكسدة التي تحد من الالتهابات.
ويُفرّق الخبراء بين الكربوهيدرات المكررة (مثل الحلويات والمشروبات الغازية) التي تُهضم بسرعة وتسبب اندفاعًا في الطاقة يعقبه هبوط حاد، والكربوهيدرات المعقدة (مثل الكينوا، البطاطا الحلوة، الشوفان، والبقول) التي تُهضم ببطء وتُوفّر طاقة أطول واستقرارًا أكبر في سكر الدم. ومع ذلك، تشدد كارب على أن القيمة لا تُقاس بالنوع فقط، بل بالسياق العام للوجبة؛ فدمج الكربوهيدرات مع البروتين والدهون الصحية يُبطئ الامتصاص ويحافظ على الشبع واستمرار النشاط، بغضّ النظر عن كونها بسيطة أو معقدة.
في الحقيقة، يحدّد النظام الغذائي الذي نتبعه إلى حد كبير طاقتنا على مدار اليوم. فالتعب المزمن ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة لاختلالات يمكن تعديلها بخطوات بسيطة واعية على غرار: نوم كافٍ، توازن غذائي، وترتيب منطقي لتناول الأطعمة. تجربة البدء بالسلطة أو الخضار قبل الطبق الأساسي، وتأجيل الخبز أو المعجنات إلى النهاية، قد تكون بداية عملية نحو طاقة أكثر ثباتًا ويوم أكثر حيوية.










