تحقيق تاريخي كتبه الباحث والزميل محمد الوليدي يستند إلى وثائق وعرائض وشهادات تم الإفراج عنها ضمن الأرشيف البريطاني. ونشرت “وطن” مسبقاً تقريراً مطولاً حول هذا الموضوع، واليوم نعيد نشر القصة باسلوب يوضح ملابسات ما يسمى يوم الوهيلة
في تاريخ الخليج الحديث صفحات قليلة الصدور، كثيرة الصمت.
ومن أكثرها قسوة صفحة تُعرف في ذاكرة دبي القديمة باسم «يوم الوهيلة» — اليوم الذي تحوّل فيه عرسٌ داخل قصر الحاكم إلى مذبحة سياسية، وأُلغيت فيه أول محاولة لمحاسبة الحاكم، وسُجّل بعده واحد من أبشع الانتهاكات الجسدية في تاريخ المنطقة: قلع عيون المعارضين بالنار.
هذه القصة لم تُروَ كاملًا في وقتها.
بل مُنعت عرائض الضحايا من النشر بأمر السلطات البريطانية التي كانت تمسك بملف الخليج آنذاك.
لكن الوثائق بقيت. والصحف العربية سجّلت طرفًا منها. وشهادات البريطانيين أنفسهم تحدثت عنها في تقاريرهم السرية.
مجلس استشاري… ثم قرار بالتصفية
في أواخر عشرينيات القرن الماضي، شهدت دبي حراكًا داخليًا غير مسبوق.
وجهاء وتجار وأعيان طالبوا بتأسيس مجلس استشاري يراقب الحاكم، وينظم توزيع الأنشطة التجارية، ويضع حدًا لاحتكار أسرة الحاكم لمقدرات المدينة.
وبعد اضطرابات شعبية واسعة، وافق الحاكم آنذاك الشيخ سعيد بن مكتوم على إنشاء المجلس، وعُيّن على رأسه ابن عمّه الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، أحد أبرز شخصيات دبي المتعلمة والمنفتحة على محيطها العربي.
المجلس لم يكن ثورة مسلحة، بل محاولة إصلاح إداري مبكر.
لكن وجود هيئة تراقب الحاكم اعتُبر تهديدًا مباشرًا لسلطة الأسرة الحاكمة.
الإنجليز يعيدون الحاكم المخلوع
في عام 1929، نجح وجهاء دبي في إجبار الشيخ سعيد على مغادرة الحكم مؤقتًا، وتولية الشيخ مانع بن راشد بدلاً منه.
لكن التدخل البريطاني كان حاسمًا.
أعادت السلطات البريطانية سعيد بن مكتوم إلى الحكم خلال يوم واحد فقط، وأسقطت التجربة الإصلاحية الوليدة.
منذ تلك اللحظة بدأ الإعداد لتصفية المجلس الاستشاري نهائيًا.
مارس 1939: العرس الذي صار مجزرة
في مارس/آذار 1939 دعا الشيخ سعيد بن مكتوم أعضاء المجلس الاستشاري وأنصارهم إلى عرس ابنه راشد بن سعيد.
لكن خلف مظاهر الاحتفال، كانت قوات قبلية مسلحة قد أُدخلت إلى دبي سرًا، وسُلّحت خصيصًا لتلك الليلة.

وبحسب ما وثقته صحيفة النهار اللبنانية (4 يوليو 1939)، شهدت دبي خلال تلك الساعات:
- حرق مئات البيوت.
- نهب المدينة بالكامل.
- مقتل عدد من وجهائها.
داخل القصر، انقضّ الحاكم سعيد وشقيقه جمعة وابنه راشد على ضيوف العرس.
قُتل الشيخ حشر بن راشد شقيق رئيس المجلس، وقُتل آخرون من أنصاره.
وأُلغي المجلس الاستشاري في تلك الليلة إلى الأبد.
وسُمّي اليوم في الذاكرة الشعبية:
يوم الوهيلة – عرس الدم.

مطاردة الناجين ومصادرة الممتلكات
نجا الشيخ مانع بن راشد مع قلة من رفاقه، متنقلًا بين الشارقة ورأس الخيمة وأبوظبي والبريمي.
لكن حكّام دبي لاحقوا كل من آواه أو ساند مشروعه، وصودرت ممتلكات أنصار المجلس داخل دبي.
حتى ابنة الشيخ مانع لم تنجُ، إذ أُجبرت لاحقًا على الزواج داخل الأسرة الحاكمة وفق روايات موثقة في شهادات تاريخية محلية.
رمضان 1939: قلع العيون بالمخرز المحمّى
بعد سبعة أشهر فقط، وقعت الجريمة الأشد فظاعة.
في أول أيام رمضان عام 1939، استُدعي ستة من وجهاء دبي من أحد المساجد.
نُقلوا إلى قصر الحاكم سعيد بن مكتوم.
ورُبطت أيديهم وأرجلهم.
ثم — وفق العرائض التي كُتبت لاحقًا في بومبي —
أُحمي مخرز حديدي على النار حتى احمرّ،
ثم ثُقبت عيونهم واحدة تلو الأخرى.

هذه العرائض الخمس حملت توقيعات الضحايا بأسمائهم وأعمارهم، وأُرسلت للنشر في صحف البحرين والهند.
لكن السلطات البريطانية منعت نشرها.
ومع ذلك بقيت محفوظة في أرشيفات تاريخية لاحقة.
شهادات الضحايا من بومبي
في إحدى العرائض المؤرخة في بومبي – 27 نوفمبر 1939، كتب التاجر جمعة بن محمد البدور (65 عامًا):
«قام الحاكم سعيد بن مكتوم بربطنا، ثم أحضر مخرزًا أحماه في النار حتى احمرّ، ثم ثقب به عيني الاثنتين… عرضت عليه خمسين ألف روبية ليترك لي عينًا واحدة فرفض.»
وفي عرائض أخرى كتب شبان في العشرينات والثلاثينات:
«أشهد أن عيني ثُقبتا بالمخرز المحمى كما فعل بجمعة بن محمد.»
الضحايا سافروا إلى بومبي للعلاج في مستشفى العيون، بعدما فقدوا بصرهم نهائيًا.
الكتمان البريطاني… والاشمئزاز الداخلي
تشير شهادات لاحقة إلى أن بعض المسؤولين البريطانيين في الخليج استبشعوا ما جرى، ورفضوا مصافحة الحاكم سعيد وابنه لفترة طويلة، لشدة وحشية ما حدث.
لكن سياسيًا، فضّل البريطانيون كتمان القصة، حفاظًا على تحالفهم مع الأسرة الحاكمة في دبي.
لماذا تعود القصة اليوم؟
لأن هذه الحادثة:
- تكشف طبيعة الحكم قبل عصر النفط.
- تفسّر كيف أُغلقت مبكرًا أي محاولة لمساءلة السلطة.
- تضع جذور الدولة الحديثة في سياق لم يكن سلميًا كما تُروى اليوم.
يوم الوهيلة لم يكن مجرد حادثة محلية.
كان لحظة فاصلة أُلغيت فيها أول تجربة رقابة سياسية في دبي،
وتحوّل الحكم بعدها إلى سلطة مطلقة بلا مجلس ولا محاسبة.
عرسٌ بدأ بالطبل…
وانتهى بالمخرز والنار.










