وطن – بينما يعيش الشارع الإيراني منذ أسابيع توتراً متصاعداً إثر موجة احتجاجات عارمة ضد الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تُطرح تساؤلات حول حدود الدور الخارجي في تأجيج هذه الأزمة، وفي مقدمتها اسم «الموساد» الإسرائيلي الذي يطفو إلى السطح كلما اشتد الصراع الخفي بين طهران وتل أبيب.
من صراع الاستخبارات إلى تأثيرات الشارع
ووفق صحيفة “جيروزاليم بوست” التي نشرت تقريراً حول هذا الموضوع، تقول أن المؤسسات السياسية والعسكرية الإسرائيلية تعودت على النأي بنفسها علناً عن الأحداث الجارية في إيران، خشية أن تجد البلاد نفسها في مرمى الردّ الإيراني المباشر. غير أن الأنظار تتجه إلى جهاز الاستخبارات الخارجي «الموساد»، الذي لطالما ارتبط اسمه بعمليات سرية وحملات اختراق ضد النظام الإيراني.
وتقول الصحيفة: لم يعد الجهاز يعمل في الظل كما كان في السابق. فبعد عملية المواجهة العسكرية التي استمرت اثني عشر يوماً في يونيو 2025، والتي ألحقت أضراراً ببرامج إيران النووية والصاروخية، وسُجل خلالها مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين الإيرانيين، بدا أن «الموساد» قد وسّع حضوره داخل أراضي الجمهورية الإسلامية.
وتؤكد الصحيفة قائلة عقب تلك العمليات، أصدر رئيس «الموساد» دافيد برنيا تصريحاً نادراً أكد فيه أن الجهاز “سيستمر في الوجود والعمل” في إيران، وهو ما فُهم على أنه إعلان غير مباشر باستمرار أنشطته السرية هناك.
رسائل غامضة بلغة فارسية
ومع تصاعد التوترات الاقتصادية في ديسمبر 2025، وتدهور العملة الإيرانية وارتفاع أسعار الوقود وتفاقم أزمة المياه، تفاجأ الإيرانيون برسائل نُشرت على حساب يُعرّف نفسه بأنه تابع لـ«الموساد» على منصة “إكس” بالفارسية، تحثّهم على الخروج إلى الشوارع، متعهدة بأن الجهاز “معهم في الميدان، لا بالكلام فقط”.
ورغم نفي مصادر إسرائيلية رسمية أي علاقة مباشرة بالحساب، فإن خبراء الأمن يؤكدون أن الأجهزة الاستخباراتية تعتمد أحياناً على واجهات غير رسمية لتنفيذ ما يُعرف بـ«العمليات النفسية»، وهو أسلوب ليس جديداً في تاريخ المواجهة بين الطرفين. وقد سبق أن تبنّت جهة مجهولة تفجير منشأة نطنز النووية عام 2020، قبل أن تُظهر المؤشرات لاحقاً أن العملية من تدبير إسرائيل، وهي رواية عززها المدير الأسبق لـ«الموساد» يوسي كوهين في مذكراته. وفق ما جاء بالصحيفة الإسرائيلية.
تسليح المعارضة… بين الرواية والإنكار
وبينما نقلت تقارير إسرائيلية أن جهات أجنبية زوّدت بعض المحتجين الإيرانيين بأسلحة لمواجهة قوى الأمن، سارعت مصادر قريبة من «الموساد» إلى نفي أي صلة مباشرة بهذه المزاعم، مؤكدة أن إسرائيل لا تسعى لإظهار نفسها كطرف في احتجاجات ذات طابع شعبي داخلي. ووفق الصحيفة يعتبر مراقبون أن الاعتراف العلني بأي دور كهذا قد ينسف الرواية الأساسية التي يصرّ الإيرانيون المعارضون على ترسيخها بأن حركتهم نابعة من الداخل لا من الخارج.
جذور الأزمة: اقتصاد منهك وماء مفقود
وتضيف أزمة نقص المياه مزيداً من الاحتقان الداخلي، إذ أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت في مقابلة سابقة عام 2022 إلى أن مشكلات المياه في إيران “تكشف فساد النظام وسوء إدارته”، مؤكداً أن مناطق واسعة في البلاد تعاني من انقطاع شديد، وبأن المواطنين “يفتحون الصنابير فلا يجدون سوى الطين”.
ويرى بينيت، وفق ما ورد في كتاب “استهداف طهران”، أن هذه الأوضاع تعكس ضعفاً جوهرياً في بنية النظام يمكن استثماره من خلال “استراتيجية الحصار التدريجي”، وهي مقاربة مستوحاة من الحرب الباردة التي أضعفت الاتحاد السوفييتي حتى انهياره. وتشير معلومات نقلتها صحيفة “جيروزليم بوست” إلى أن بينيت شجّع رئيس «الموساد» على تبني أساليب أكثر ابتكاراً وجرأة في مواجهة طهران، فيما يُروى أن برنيا كان هو من دفع باتجاه تصعيد تلك السياسة وجعلها أكثر تأثيراً.
قنوات سرية ودروس من التاريخ
ولإسرائيل سوابق طويلة في دعم أطراف ثالثة لخدمة مصالحها الأمنية، سواء في لبنان خلال العقود الماضية أو في ملفات أخرى مثل أوكرانيا، حيث ساهمت في إيصال منظومات دفاعية متطورة عبر قنوات غير مباشرة. كما اتُهمت مراراً بتقديم دعم لمجموعات داخل إيران، خاصة بين الأقليات الكردية وغيرها، وهو ما لم تؤكده جهات مستقلة حتى الآن.
عالم الظلال
وقد يكشف المستقبل تفاصيل أكثر دقة عن حجم الدور الإسرائيلي في الأحداث الإيرانية الجارية، لكن المؤكد أن الصراع بين «الموساد» وطهران لا يقتصر على المواجهات الميدانية أو العمليات التخريبية، بل يمتد إلى حرب عقول وصور ورسائل تُبث عبر العالم الرقمي.
وفي ظل احتياج الإيرانيين إلى حلول اقتصادية ومعيشية عاجلة، يظل الخطر الأكبر أن تتحول معاناتهم إلى وقودٍ لحروب خفية بين أجهزة لا يعرفها الشارع إلا من خلال صدى الأحداث، في عالمٍ تغيب فيه الحقيقة خلف طبقات كثيفة من الأسرار والمصالح المتبادلة.
اقرأ أيضاً:










