وطن-يشكّل تعليم الطفل الصغير فنّ انتظار دوره تحدّيًا يوميًّا للأهل، إذ لا يرتبط الأمر بسلوك اجتماعي فحسب، بل بقدرة دماغية ما تزال في طور التطور. فالطفل دون الرابعة من عمره لا يمتلك بعد الأدوات العصبية الكافية لتصوّر المستقبل القريب أو التنبّه لمسار الزمن، مما يجعل فكرة “الانتظار” بالنسبة إليه بلا معنى واضح.
في هذا السياق، توضح المعالجة النفسية والكاتبة إيزابيل فيليوزا أنّ المنطقة الأمامية في دماغ الطفل، المسؤولة عن التحكم في السلوك وتأجيل الرغبات، تنضج تدريجيًا مع مرور السنوات. لهذا السبب، عندما يرى الطفل أخاه ممسكًا بلعبة ما، فإنه لا يسعى إلى امتلاك السيارة أو الدلو تحديدًا، بل يُدفع تلقائيًّا لتقليد الفعل ذاته. ويعود ذلك، بحسبها، إلى نشاط ما يُعرف بـ”الخلايا العصبية المرآتية”، وهي شبكة عصبية تُفعَّل سواء عندما يقوم الطفل بالفعل بنفسه أو عندما يراقب غيره يؤديه. أي أن جسده يستجيب قبل أن يتكوّن القرار في ذهنه.
هذا وترى فيليوزا أنّ الطفل في هذه المرحلة لا يقول في نفسه: “أريد أن آخذ مكان أخي”، بل إن اندفاعه الجسدي نحو ما يراه هو رد فعل طبيعي. لذا تدعو الأهل إلى تفهّم تلك الحالة العصبية المعقّدة، وأن يدركوا أن الجزء من الدماغ المسؤول عن ضبط السلوك لم يكتمل بعد. وتؤكد: “علينا أن نُقدّر حجم المجهود الذي يبذله الطفل لكبح اندفاعاته، بدل أن نوبّخه على عدم قدرته على الانتظار”.
مع اقتراب الطفل من عامه الثالث، يبدأ بملاحظة أن الوقت يتناوب بين الأشخاص، فيفهم تدريجيًا مفهوم “كلٌّ له دوره”. عندها أيضًا يصبح أكثر استعدادًا للاندماج في اللعب الجماعي أو الروضة، حيث يتطلّب الأمر مشاركة وانتظارًا.
وتشدد فيليوزا على ضرورة ألا يشعر الطفل بالذنب عندما يعجز عن الانتظار، فالمسألة لا تتعلق بالأنانية أو الغيرة، بل بقصور مؤقت في قدراته العصبية. وتضيف أن تشجيعه على الصبر يتم عبر المساندة لا التوبيخ. يمكن للأهل استخدام وسائل بسيطة للمساعدة على بناء هذه المهارة؛ كاستخدام مؤقّت صغير يُضبط حتى يحين دوره في اللعب، أو تشغيل أغنية قصيرة تحدد الفترة الزمنية لكل طفل. فحين يسمع الطفل جرس المؤقّت أو نهاية الأغنية، يدرك أن الانتظار له نهاية حقيقية يمكن أن يتنبّه إليها بحواسه.
كما توصي الخبيرة باستثمار هذه اللحظات لتعليم الطفل مهارات التحكم العاطفي. فبدل بقائه متوتّرًا أو غاضبًا، يمكن مساعدته على التفكير بما يمكن فعله أثناء الانتظار: اللعب بشيء آخر، القفز قليلاً لتفريغ طاقته، التحدث مع صديق، أو ببساطة طلب المساعدة من الراشدين. هذه المقترحات تمنحه أفقًا بديلًا عن التوتر وتغرس فيه فكرة أن الصبر مهارة يمكن التدرّب عليها.
وتختم فيليوزا بأن تربية الطفل على الانتظار لا تتحقق بالعقاب أو باللوم، بل ببناء مسارات تعلم إيجابية تُنمّي دماغه وتثبّت لديه الإحساس بالزمن وبالدور الاجتماعي. فحين يفهم الأهل أن تصرّف الطفل ليس عنادًا بل مرحلة من مراحل النضج، يصبحون أكثر قدرة على دعمه في عبور تلك المرحلة بثقة وهدوء.
اقرأ المزيد
لماذا ينجح ‘غير الكفؤ’ بينما تفشل أنت؟ 5 أسباب صادمة لتفوقهم في العمل
الخوف من أجزاء معينة في جسدك.. ما هو مرض الفانيروفوبيا وماذا يخفي وراءه؟
رحلة تقدير الذات: كيف يؤثر سوء التعامل مع النفس في صحتنا العقلية؟










