وطن – لم تكن تعلم الدكتورة ابتسام نصر، أستاذة الجراحة بكلية طب بنها، أن أصعب “عملية” في حياتها لن تكون داخل غرفة عمليات، بل داخل قلبها. عملية بلا تخدير، بلا أدوات، وبلا أمل في إنقاذ أحد. بعد ما يقرب من عشرين عامًا من الغربة والكفاح، قضتها هي وزوجها خارج البلاد لتأمين مستقبل أبنائهما، جاء الاتصال الذي لا يشبه أي اتصال: أبناؤك الخمسة رحلوا.
في قرية ميت عاصم، مركز بنها بمحافظة القليوبية، وقع ما لا يُحتمل. تسرب غاز من سخان حمام، القاتل الصامت الذي لا يطرق الأبواب. إحدى البنات كانت تستحم، باغتها الاختناق ففارقت الحياة فورًا، بينما كان أشقاؤها الأربعة نائمين، لا يعلمون أن أنفاسهم الأخيرة تُسحب ببطء. تسلل الغاز إلى الغرف وأغلق على الطفولة أبوابها إلى الأبد.
خمسة أطفال، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عامًا، كانوا يعيشون بمفردهم في انتظار والديهم اللذين خرجا يومًا بحثًا عن الأمان. العمة هي من اكتشفت الكارثة، دخلت الشقة فاستقبلها الموت، اختنقت ونُقلت إلى المستشفى، وبقي المشهد كما هو: أجساد صغيرة فارقت الحياة وهدوء ثقيل يطرح سؤالًا أكبر من كل الإجابات. رحلوا دفعة واحدة: إبراهيم، رقية، جنة، مريم، خديجة.
شيّعت قرية ميت عاصم أبناءها في جنازة مهيبة خرج فيها الآلاف باكين، لا يصدقون أن بيتًا واحدًا يمكن أن يحتمل هذا القدر من الفقد. هكذا صارت الدكتورة ابتسام نصر تُوصَف بخنساء مصر، أمًا أُفرغ قلبها دفعة واحدة، كأن القدر انتزع منها الحياة من جذورها. ليست مجرد حادثة، بل جرح مفتوح ودرس قاسٍ عن الغربة والانتظار، حين يقرر القدر أن يكون أثقل من الاحتمال.
اقرأ أيضاً:










