وطن-عندما يصل الإنهاك العاطفي لدى الأهل إلى ذروته، قد يتحول الموقف اليومي البسيط مع الطفل إلى لحظة من الصراخ والانفعال. كثير من الآباء والأمهات يعترفون بأنهم يرفعون أصواتهم في لحظات فقدان السيطرة، لكن القليلين فقط يتوقفون ليفكروا في السبب الحقيقي خلف هذا السلوك الذي يتكرر رغم النوايا الحسنة.
الصراخ… عرض لمشكلة أعمق
تؤكد الدكتورة إيلواز جونييه، المتخصصة في علم نفس الطفولة ومؤلفة كتاب «عواطف الطفل: سبعة أيام لفهمها بشكل أفضل»، أنّ الصراخ ليس فعلًا مرتبطًا بتمرد الطفل أو سوء سلوكه بقدر ما هو انعكاس لانفعال داخلي عند البالغ. وتوضح أن الراشد عندما يصرخ «لا يعاقب الطفل بقدر ما يُعبّر عن عجزه اللحظي في التحكم بغضبه». فالصوت المرتفع، بحسب ما قالته، غالبًا ما يكشف عن حالة من الإرهاق أو الشعور بالفشل أو حتى عن أنماط تربوية متجذّرة في الذاكرة منذ الطفولة.
كثير من الآباء يبرّرون انفعالهم بعبارات مثل: «أصرخ كي ينتبه» أو «لابد أن أرفع صوتي ليتوقف»، غير أن الاختصاصية ترى أن هذه التبريرات تخفي وراءها صعوبة في إدارة التوتر.
العلم يؤكد العلاقة بين السيطرة العاطفية والصراخ
في الحقيقة، هناك دراسات علمية دعمت هذا الفهم النفسي، ففي عام 2012، توصّلت أبحاث أجريت في جامعة نيويورك إلى أن الأهل الذين يتمكنون من تنظيم عواطفهم بصورة أفضل، يميلون إلى استخدام أساليب أكثر هدوءًا في التعامل مع أبنائهم، ويقل لديهم اللجوء إلى العقاب أو الصراخ. كما أظهرت مراجعة علمية عام 2022 أن هؤلاء الآباء أنفسهم يعتمدون نهجًا تربويًا إيجابيًا أكثر، ويُنشئون أطفالًا قادرين بدورهم على إدارة مشاعرهم بطريقة ناضجة.
ويُمكن تلخيص ما توصّلت إليه جونييه بالقول إن صراخ البالغين ليس ردًا على تصرفات الأطفال، بل انعكاس مباشر لعجزهم مؤقتًا عن تهدئة أنفسهم. فالمسألة متعلقة بتاريخ الفرد ومزاجه الشخصي، وكذلك بالنماذج السلوكية التي شاهدها خلال طفولته وتشبّع بها ضمن ثقافته الأسرية والمجتمعية.
نحو علاقة أكثر هدوءًا مع الأطفال
الخطوة الأولى لتقليل الصراخ تبدأ ـ حسب الأخصائية ـ من الوعي الذاتي. فكل أب أو أم مدعوّ إلى طرح سؤال صادق على نفسه: إلى أي حد تؤثر تجربتي الشخصية وتعاملي مع مشاعري على أسلوبي مع أطفالي اليوم؟ فتوجيه النظر إلى الداخل هو السبيل نحو تربية أقل توترًا وأكثر دفئًا.
وتنصح جونييه الأهل بالتدرّب على التعبير عن مشاعرهم بصدق وهدوء، مع استخدام لغة تربط الإحساس بالذات لا بالآخر. فبدلًا من توجيه اللوم بعبارة مثل «أنت تزعجني»، يمكن القول «أشعر بالضيق لأنني بحاجة إلى بعض الهدوء». هذا التحول البسيط في طريقة التعبير يُخفّف من حدة الموقف ويعلّم الطفل نموذجًا صحيًا في التواصل العاطفي.
كما تشدّد على أهمية الإصغاء للجسد وملاحظة إشارات التوتر قبل أن تتفاقم، لأن إدراك اللحظة المبكرة للانفعال يتيح للوالد أو الوالدة فرصة تهدئة النفس قبل الوصول إلى الصراخ.
تربية قائمة على الوعي لا الانفعال
التحكم بالصوت لا يعني كبت المشاعر، بل إدارتها بوعي ومسؤولية. فكل خطوة نحو تفهّم الذات تُترجم لاحقًا إلى بيئة أسرية أكثر أمانًا ودفئًا. وبينما لا يمكن للأهل أن يكونوا مثاليين في كل لحظة، يمكنهم على الأقل أن يكونوا حاضرين بصدق، مدركين أن الهدوء الذي يقدمونه اليوم هو الاستثمار الأجمل في توازن أبنائهم غدًا.
قد يعجبك
كيف يمكن للإنسان أن يصبح نسخة أفضل من نفسه؟
زرع مهارة التفكير النقدي في عقول الأطفال: مسؤولية تبدأ بين جدران المنزل












