وطن – كشف الباحث والمحلل السياسي السعودي سلمان الأنصاري، المقرّب من دوائر القرار في المملكة، في تقرير مطوّل نشره عبر حسابه على منصة إكس (@Salansar1)، عن معطيات خطيرة تتعلّق بدور أبوظبي في التغلغل داخل مفاصل الدولة المصرية، بما يشكّل وفق وصفه أحد أخطر مسارات تهديد الأمن القومي المصري في العقود الأخيرة.
التقرير يضع أمام الرأي العام صورة مقلقة عن شبكة نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي نسجتها الإمارات داخل مصر، مستندة إلى المال والضغط السياسي وشراء الولاءات، بما تجاوز حدود الشراكة والدعم، ووصل إلى مستوى التأثير المباشر في القرار السيادي المصري.
أولًا: الإعلام… أخطر أدوات الاختراق
ويؤكد الأنصاري أن الإعلام كان رأس الحربة في مشروع النفوذ الإماراتي داخل مصر.
فمنذ عام 2013، نفّذت أبوظبي واحدة من أوسع عمليات شراء النفوذ الإعلامي في تاريخ المنطقة، عبر الاستحواذ على قنوات وصحف ومنصات رقمية مصرية، وتأسيس شبكات إعلامية جديدة تعمل بخط تحريري يخدم الرؤية الإماراتية.
وفي تصريح سابق لوزيرة التنمية والتعاون الدولي الإماراتية لبنى بنت خالد، أقرّت بأن الإمارات قدّمت لمصر خلال عام 2013 فقط مساعدات ومنحًا بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي (أكثر من 4 مليارات دولار)، ذهب جزء كبير منها ـ بحسب الأنصاري ـ إلى تمويل وتأسيس منظومة إعلامية واسعة النفوذ.
ويضيف التقرير أن القاهرة، بعد أن أدركت اتساع هذا النفوذ وخطورته على السيادة الوطنية، اتخذت في عام 2020 قرارًا سياديًا بإخراج السيطرة الإماراتية المباشرة وإجبار المالكين الإماراتيين على نقل ملكية عدد من القنوات والمنصات.
غير أن النفوذ الإعلامي عاد لاحقًا بصورة أكثر تعقيدًا، عبر شبكات تمويل ضخمة تستهدف إعلاميين وأكاديميين ومفكرين مصريين، بإشراف شبكة مغلقة يقودها رجل أعمال إماراتي، ما أعاد النفوذ إلى الداخل المصري لكن بوسائل أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا.
ثانيًا: الاقتصاد بوابة الضغط السيادي
يشير الأنصاري إلى أن أبوظبي سعت للتغلغل داخل مفاصل اقتصادية حساسة تمس الأمن القومي المصري، وعلى رأسها:
- محاولات السيطرة على موانئ قريبة من قناة السويس، بما يثير مخاوف سيادية تتعلق بشريان التجارة العالمي.
- مشاريع عقارية كبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومشروع رأس الحكمة.
ويؤكد التقرير أن الإمارات حاولت في مراحل سابقة فرض شروط تمس السيادة المصرية في مشروع العاصمة الإدارية، قبل أن يتم احتواء هذه المحاولات.
أما مشروع رأس الحكمة، فيصفه الأنصاري بأنه تحوّل إلى ما يشبه بوليصة تأمين سياسي واقتصادي بيد أبوظبي، تتيح لها استخدامه كورقة ضغط عند الحاجة، وجعله أداة ابتزاز سياسي لاستكمال مشروعها الإقليمي في الشرق الأوسط، وبالأخص في محيط مصر.
ثالثًا: تعطيل التقارب المصري – التركي
في سياق تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب في مارس 2021، والذي حذّر من أن أي تقارب مصري – تركي سيقوّض استراتيجيات الاحتواء في المنطقة، يكشف الأنصاري أن الإمارات مارست ضغطًا مباشرًا على القاهرة لتعطيل أي حوار مع أنقرة، مقابل دعم مالي وسياسي.
ويضع التقرير هذا السلوك ضمن إطار أوسع لمحاولات أبوظبي توجيه بوصلة التحالفات المصرية بما يخدم استراتيجيتها الإقليمية، حتى لو تعارض ذلك مع مقتضيات المصالح المصرية بعيدة المدى.
رابعًا: الملف الإثيوبي… تهديد الماء المصري
واحدة من أخطر النقاط التي يكشفها التقرير تتعلق بملف سد النهضة.
ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تواجه أخطر تهديد مائي في تاريخها الحديث، قامت أبوظبي ـ وفق الأنصاري ـ بتقديم دعم مالي وسياسي مباشر لإثيوبيا.
في يونيو 2018، وخلال زيارة رسمية إلى أديس أبابا، أُعلن عن إيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي بدعم إماراتي.
كما كشفت صحف دولية أن الاستثمارات والمساعدات الإماراتية لإثيوبيا تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، وشملت بحسب التقرير دعمًا لوجستيًا وعسكريًا غير مباشر لتأمين مشروع السد.
ويعتبر الأنصاري أن هذا السلوك شكّل تعارضًا مباشرًا مع المصالح الحيوية المصرية، في أكثر الملفات حساسية للأمن القومي المصري.
خامسًا: مشروع نفوذ لا شراكة
يخلص التقرير إلى أن ما قامت به أبوظبي داخل مصر لم يكن دعمًا ولا شراكة استراتيجية، بل عملية نفوذ ممنهجة تهدف إلى:
- تطويق القرار المصري.
- استغلال الهواجس الاقتصادية والأمنية للقاهرة.
- استخدام شعار “مكافحة الإخوان” كغطاء لتوسيع النفوذ.
- بناء أوراق ضغط طويلة الأمد داخل الاقتصاد والإعلام والسياسة.
ويصف الأنصاري هذه العملية بأنها إحدى أكبر عمليات الاحتيال السياسي في تاريخ العلاقات العربية المعاصرة.
خلاصة التقرير
بحسب ما عرضه الباحث سلمان الأنصاري، فإن النفوذ الإماراتي في مصر لم يقتصر على الدعم المالي، بل تطوّر إلى شبكة تأثير شاملة تمتد من الإعلام إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى الأمن الإقليمي، بما خلق ـ في لحظات معينة ـ تهديدًا مباشرًا لجوهر القرار السيادي المصري.
ويؤكد أن استعادة القاهرة لتوازنها السيادي تجاه هذا النفوذ كانت خطوة ضرورية، لكنها ما زالت تواجه تحديات مع استمرار محاولات إعادة التغلغل بوسائل جديدة وأكثر دهاءً.
اقرأ أيضاً:












