وطن-في الوقت الذي تترقب فيه المنطقة تطورات متلاحقة بين طهران وتل أبيب وواشنطن، تواجه إيران لحظة حاسمة قد تعيد تشكيل ملامح نظامها السياسي الداخلي وتوازناتها الإقليمية. الشيخ علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الذي يبلغ من العمر 86 عاماً (مواليد 1939)، يقود نظاماً يصارع أخطر أزماته منذ قيام الثورة عام 1979. فالهزيمة التي مُني بها النظام في “حرب الأيام الاثني عشر” ضد إسرائيل والولايات المتحدة خلال يونيو/حزيران 2025، إلى جانب التدهور الاقتصادي السريع خلال العام ذاته، كشفت ضعف البنية السياسية والاقتصادية وعُمق الانقسام داخل النخب الحاكمة والمجتمع.
ورغم وطأة الأزمات الداخلية والخارجية، لم تتجه القيادة الإيرانية إلى مراجعة سياساتها، بل اختارت تعزيز برامجها الصاروخية والنووية وإعادة تنشيط مجموعاتها الموالية خارج الحدود، وهو ما أثار تحذيرات علنية من مسؤولين في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة من أنّ استمرار هذا النهج قد يفضي إلى حرب جديدة “أكثر تدميراً” من سابقاتها.
انقسامات متعمقة وصراع على خلافة المرشد
تعيش الساحة السياسية الإيرانية حالة احتقان غير مسبوقة. فالمجتمع منقسم بشدة بين تيارات محافظة وإصلاحية وتيارات مدنية متفرقة، بينما تتصاعد الأصوات المنتقدة لسياسات المرشد من داخل مؤسسات النظام ذاته. ولا تزال أي من القوى السياسية أو الحركات الشعبية عاجزة عن حشد غالبية مجتمعية خلفها، في ظل غياب قيادة موحدة للمعارضة.
منذ توليه القيادة العليا عام 1989، جسّد خامنئي مفهوم “ولاية الفقيه المطلقة” الذي أسسه آية الله الخميني، وهو النظام الذي يمنح سلطة أعلى لرجل دين شيعي يرى في الشريعة المصدر الوحيد للتشريع والحكم. ويرى أنصاره أنّ بقاء حكم رجال الدين ضروري لمواجهة “الأعداء الخارجيين” حتى يرحل بنيامين نتنياهو أو دونالد ترامب عن السلطة، فيما يعتقد خصومه أنّ هذه العقلية تغرق البلاد في عزلة وصدام دائمين.
في الداخل، شدّد النظام قبضته الأمنية بشكل غير مسبوق. فبحسب الإحصاءات الرسمية، ارتفعت أحكام الإعدام بنسبة 106% خلال 2025 لتتجاوز 1920 حالة، لتسجل إيران أعلى نسبة إعدامات للفرد في العالم منذ الثورة الإسلامية. كما تزايدت الاعتقالات ضد ناشطي المجتمع المدني والسياسيين. وفي محاولة لتهدئة الشارع، سمح النظام بهوامش محدودة كالتخفيف المؤقت لتطبيق الحجاب الإلزامي والسماح بالموسيقى والعروض العلنية، مع استدعاء الشعور القومي الفارسي في خطاباته الرسمية، رغم تناقضه مع عقيدته الثورية الأصلية.
صعود المتشددين الجدد بعد 2023
بعد الهجوم الذي شنّته حركة “حماس” على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، برز التيار المتشدد في طهران باعتباره الحاكم الفعلي لمؤسسات القوة. وكان يُنظر إلى الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، قبل وفاته في مايو/أيار 2024، باعتباره الخليفة المرجّح لخامنئي. لكن بعد “حرب الأيام الاثني عشر” تزايد نفوذ آية الله محمد مهدي ميرباقري، زعيم “جبهة الصمود” ورمز التيار الأشد تطرفاً داخل النظام.
ميرباقري، المولود عام 1961، عضو مؤثر في “مجلس خبراء القيادة” المسؤولة عن اختيار المرشد، وله حضور قوي داخل الحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات. يدعو ميرباقري إلى “جهاد طويل الأمد ضد الكفار” ويرى أن السلام الدائم لن يتحقق إلا بعد “حرب دائمة تقضي على الباطل”. كما يطالب بتقليص صلاحيات الرئيس لصالح توسيع سلطات المرشد الأعلى.
ويعتبره مراقبون المرشح الأوفر حظاً لوراثة المنصب في حال وفاة خامنئي أو اغتياله، رغم رفض واسع من أجنحة أخرى داخل النظام ترى في صعوده تهديداً لتوازنات السلطة.
الرهان على الإصلاح من داخل النظام
من بين أوساط الطبقة الحاكمة، يبرز الرئيس الأسبق حسن روحاني (مواليد 1948) كمحاولة واعية لإنقاذ النظام من الانهيار عبر إصلاح داخلي وتفاهمات خارجية. فبعد عزله سياسياً في عهد خامنئي، عاد روحاني إلى الواجهة عقب هزيمة 2025 محذراً من انهيار وشيك إن لم تُراجع طهران سياساتها. دعا الرجل إلى تقديم تنازلات دبلوماسية واسعة تجاه واشنطن وإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي، مؤكداً أن إنقاذ النظام يمر من بوابة التهدئة والانفتاح.
لكن دعواته جوبهت بحملات قاسية من التيار المتشدد وصل بعضها إلى المطالبة بمحاكمته أو إعدامه.
الإصلاحيون المحافظون… بين الحلم والحذر
في المقابل، يدافع رموز مثل محمد خاتمي وحسن الخميني عن نهج إصلاحي يطالب بتقليص القمع السياسي، وتحجيم سيطرة الحرس الثوري على ما لا يقل عن 60% من الاقتصاد، وتمهيد الطريق للتقارب مع الغرب وبلدان الجوار. إلا أنّ هؤلاء يدركون أن موقع المرشد يجعل أي تحول حقيقي غير قابل للتحقق طالما خامنئي حيّ. ومع ذلك، ازدادت مبادراتهم العلنية بعد حرب 2025 خوفاً من انهيار شامل يطيح بالنظام بأكمله. ويردّ عليهم المتشددون بأن الإصلاحات العميقة ستكرر تجربة الإصلاحات السوفييتية التي أدت إلى سقوط الاتحاد السوفييتي.
معارضة متشظية وصراع على تمثيل المستقبل
رغم القمع الشديد، تظهر استطلاعات مراكز بحث مستقلة – منها “جمان” (GAMAAN) – أنّ بين 70 و80% من الإيرانيين يعارضون النظام القائم، في حين لا تتجاوز نسبة مؤيديه 20%. ومع ذلك، تعاني المعارضة انقسامات حادة بين جمهور يريد جمهورية علمانية ديمقراطية (نحو 26%) وآخرين يحنّون إلى الملكية (21%)، إلى جانب فصائل يسارية وقومية وأقليات عرقية.
أكبر هذه القوى المنظمة هي “الجبهة الوطنية الإيرانية” التي أسسها الدكتور محمد مصدق عام 1949، وتضم مروحة من الديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين والعلمانيين. تسعى الجبهة إلى إقامة جمهورية ديمقراطية مدنية بنظام برلماني تعددي، وتتمتع بحضور بارز داخل إيران وخارجها عبر تحالف “همگامی” الذي يجمعها مع عدة أحزاب جمهورية ويسارية. هذا التيار يحظى بتأييد واسع بين الطبقة الوسطى المثقفة والطلاب الجامعيين، إذ تشير استطلاعات داخل الجامعات الكبرى إلى أن ما يزيد على 80% من الطلاب يؤيدون إقامة جمهورية ديمقراطية علمانية.
التيار الملكي: من النostalgia إلى التطرف
أما التيار الملكي بقيادة رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، فشهد تحولات دراماتيكية. فبعد أن كان منذ التسعينيات أقرب إلى تيار محافظ قومي، تحوّل خلال العقد الأخير إلى خطاب أقرب إلى اليمين الفاشي المتشدد. شعارهم المعلن اليوم: “الموت لثلاثة فاسدين: رجال الدين، والمجاهدين، واليساريين، وليحيا الملك”.
يتهمُ معارضوه تياره بتبييض ممارسات أجهزة الشاه الأمنية (سافاك) وتمجيد رموزها السابقين الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة. وتشير تقارير صحفية إلى أن حكومة نتنياهو موّلت حملات رقمية ضخمة دعائية لصالح رضا بهلوي باستخدام الذكاء الاصطناعي وملفات وهمية على شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد بلغت شعبية بهلوي ذروتها عامي 2022–2023 بنحو 39%، لكنها تراجعت إلى 21% في منتصف 2024، بينما أبدى 31% فقط ميلاً نحوه شخصياً دون تأييد للملكية. وتفاقم تراجع صورته بعد حوادث عنف نسبت لأنصاره ضد ناشطين ديمقراطيين، أبرزها ما جرى في مشهد في 12 ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما تعرّضت الناشطة الحائزة جائزة نوبل نرجس محمدي لهجوم بالحجارة أثناء تأبين محامٍ حقوقي، فيما أثارت الحادثة سخطاً واسعاً في الداخل والخارج.
معارك المعارضة… من مواجهة النظام إلى تصفية الحسابات
تعد حادثة مشهد نقطة تحول في مسار المعارضة الإيرانية، إذ تحوّلت السجالات من مواجهة النظام إلى صدامات مفتوحة بين monarchists والقوى الديمقراطية. ومع أن بعض المعارضين توقعوا تورط أجهزة الأمن في تأجيجها، فإن تصريحات نُسبت إلى بهلوي تشي بتبنّيه لما فعله أنصاره، ما أدى إلى موجة إدانات واسعة، وبيانات تضامن مع الضحايا صدرت عن أكثر من ألف شخصية ثقافية وحقوقية.
وتحذّر الأوساط الديمقراطية من أنّ محاولات الفرض القسري لعودة الملكية قد تدفع باتجاه حرب أهلية في حال سقوط النظام الديني، إذ ترفض كل القوى السياسية الكبرى—من إصلاحيين ويساريين وقوميين—إقامة تحالف مع التيار الملكي أو قبوله بديلاً للنظام الحالي.
أدوار ثانوية… وجدل على الهامش
تواصل منظمة “مجاهدي خلق” (PMOI)، التي أسست عام 1965، العمل من الخارج بتمويل غير واضح ومساندة من بعض دوائر واشنطن وتل أبيب، لكنها لا تحظى بأكثر من 5% من التأييد الشعبي في الداخل. كما تبرز أحزاب إثنية محلية في مناطق الأكراد والبلوش والأذريين والتركمان، لكن وزنها التنظيمي محدود ولا يشكل تهديداً حقيقياً إلا إذا تحالفت مع قوى وطنية واسعة. أما الأحزاب اليسارية فتبقى مهمشة رغم عدائها المشترك للنظام والتيار الملكي.
حسابات الإقليم… والنفط كلمة السر
إلى جانب الصراع الداخلي، تتداخل عوامل خارجية حاسمة في تقرير مستقبل النظام. فإيران ما زالت تبيع قرابة مليوني برميل نفط يومياً، يذهب 91% منها إلى الصين. توقف بكين عن الشراء سيعني، وفق خبراء الاقتصاد، انهياراً شبه فوري للنظام. أما روسيا فترى في بقاء النظام الديني وسيلة لإرباك الغرب، لكنها لا ترغب في مواجهة عسكرية مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وتخشى أوروبا من أن يؤدي أي انهيار مفاجئ إلى موجة لجوء واضطرابات إقليمية على حدودها.
من جهة أخرى، تعتبر بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية أنّ دعم الملكيين أداة لإزعاج طهران وليس لتغيير النظام، غير أن التقييمات الأخيرة تؤكد أنّ هذا الدعم أضعف المعارضة المدنية وأفاد النظام نفسه بإبقاء معارضيه منقسمين.
نحو إجماع ديمقراطي جديد
رغم تضارب الرؤى، يجمع معظم المراقبين على أن القوة الوحيدة القادرة على إرساء ديمقراطية مستقرة هي التيارات الجمهورية المدنية. فكل القوى، بما فيها الإصلاحيون والمجاهدون واليساريون، يرون في الخيار الجمهوري المدني البديل الأقل ضرراً في حال سقوط النظام. في ديسمبر/كانون الأول 2025، دعا مفكرون وأكاديميون إلى تشكيل “تحالف واسع ضد الفاشية” يواجه تياري التطرف: النظام الديني الحاكم والتيار الملكي.
ويؤكد هؤلاء أن أي محاولة لإعادة النظام الملكي بالقوة ستشعل صراعاً مسلحاً طويلاً، فيما يبقى الرهان الحقيقي على انتقال سلمي نحو نظام جمهوري مدني يضمن التعددية والحريات.
صوت الشعوب لا يُختصر في معركة السلطة
تاريخياً، خاض الإيرانيون منذ نهايات القرن التاسع عشر نضالات متكررة لنيل الحرية والعدالة والديمقراطية؛ من الثورة الدستورية عام 1905 إلى حركة مصدق في الخمسينيات، وصولاً إلى انتفاضات القرن الحادي والعشرين. واليوم، وبعد قرن ونيف من المد والجزر، تقف البلاد مجدداً أمام مفترق طرق.
فالدعم الخارجي لقوى غير ديمقراطية، سواء من داخل النظام أو من سلالات الماضي، لا يقود إلى استقرار بل يضعف مسار التحول الديمقراطي المنشود.
إن مستقبل إيران، كما يدل تاريخها الطويل، سيُحسم بإرادة شعبها حين يُمنح فرصة تقرير مصيره بحرية، بعيداً عن استبداد العمائم أو سطوة التيجان.
اقرأ أيضاً
تصعيد جديد بين واشنطن وطهران بعد إعلان ترامب إرسال أسطول أمريكي نحو إيران
الساعة تقترب من طهران: ترامب يجهّز خيارات الضربة… وإيران تطفئ الإنترنت وتطارد المتظاهرين بيتًا بيتًا












