وطن-في وقت يتسارع فيه إيقاع الحياة وتزداد فيه الضغوط اليومية، يصبح الحفاظ على صحة القلب تحديًا يتطلب وعيًا متجددًا. الدكتور فالنتين فوستر، أحد أبرز علماء أمراض القلب في العالم، ومدير المركز الوطني الإسباني لأبحاث القلب والأوعية الدموية (CNIC) ومدير معهد القلب في مركز جبل سيناء الطبي بنيويورك، يوضح أن صحة القلب لا تُبنى فقط على التقدم الطبي، بل على أسلوب حياة متوازن يبدأ من التفاصيل الصغيرة.
ضغط الحياة الحديثة… والهوة بين القلق والعناية الذاتية
يقول الدكتور فوستر، الذي تجاوز الثالثة والثمانين ولا يزال يمارس البحث والطب بين مدريد ونيويورك، إننا “نهتم كثيرًا بصحة القلب، لكننا نكرس لها وقتًا قليلًا”. فالحياة العصرية، القائمة على السرعة والاستهلاك المفرط، تجعل الناس ينسون أساسيات العناية بأنفسهم. ويشير إلى أن العيش في انسجام مع الطبيعة، وتناول الطعام الطبيعي، والحركة اليومية المنتظمة، كلها عادات تنعكس إيجابًا على الصحة، كما يُلاحظ في ما يُعرف بـ“المناطق الزرقاء” مثل جزيرة أوكيناوا اليابانية، حيث يعيش الناس أعمارًا أطول بصحة أفضل.
التوتر… العدو الصامت للقلب
يصف فوستر الضغوط النفسية بأنها “الخطر الأكبر على القلب”. فمجتمعات اليوم تتسم بالتنافس الحاد والقلق المستمر، ما يجعل الاهتمام بالصحة يتراجع إلى المرتبة الثانية. ويرى أن الحل لا يكون إلا بجعل الهدوء والراحة عادة يومية، إلى جانب ممارسة النشاط البدني والاعتناء بالنوم والتغذية. ويشدد على أهمية زرع هذه القيم منذ الطفولة، فالمهارات الصحية التي تُكتسب باكرًا تصبح جزءًا من نمط الحياة لاحقًا.
التكنولوجيا وسيلة لإقناع النفس بالرؤية لا بالكلمات
يشير فوستر إلى أن الناس يستجيبون أكثر لما يرونه بأعينهم. فحين يشاهد مريض صورًا لانسداد شرايينه، يتولد لديه دافع فوري لتغيير عاداته. وهذه التقنية تُستخدم حاليًا مع أشخاص دون سن الخمسين، ما يساعد على اكتشاف مشكلات الشرايين مبكرًا والوقاية من أمراضها.
الأسباب الجذرية لأمراض القلب
تتعدد العوامل التي تضعف القلب، من السمنة وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول إلى التدخين، وسوء التغذية، وقلة الحركة، والتلوث الجوي، ومرض السكري. يشرح فوستر كيف تؤدي هذه العوامل إلى إتلاف بطانة الشرايين الداخلية، فتتراكم الدهون ويتشكل الكوليسترول، فيتدخل الجهاز المناعي لمحاولة الإصلاح بإرسال خلايا التهابية، لكنها بدلًا من معالجة الخلل، تزيد التدهور وتضعف الجدار الشرياني أكثر.
اكتشاف مبكر يبدأ من الساقين
كشفت دراسة PESA التي أجراها فريق فوستر أن التصلب الشرياني يبدأ غالبًا في الشرايين الموجودة في الجزء السفلي من الجسم، خصوصًا في المنطقة الإليوية الفخذية. ويوضح أن انسداد هذه الشرايين قد لا تظهر له أعراض بسبب كبر حجمها، بينما انسداد صغير في الشرايين التاجية الدقيقة قد يسبب أعراضًا فورية، لأن القلب حساس لكل نقص في تدفق الدم.
ولهذا السبب، بات الأطباء يستخدمون تقنيات الموجات فوق الصوتية لفحص الشرايين في الساقين، وهو ما يساعد على رصد المرض في مراحل مبكرة، حتى بين الفئات الشابة.
النساء وأمراض القلب… اختلاف في المؤشرات والتشخيص
يؤكد فوستر أن أمراض القلب لدى النساء تظهر بشكل مختلف عن الرجال. فعند حدوث الذبحة الصدرية أو الجلطة، قد تكون الأعراض أقل وضوحًا وأكثر خفاءً. السبب يعود، كما يوضح، إلى الاختلافات الهرمونية التي تؤثر على توزع المرض في الأوعية. فالنساء عادة يعانين من مشكلات في الشرايين الدقيقة غير المرئية بالفحوص التقليدية، ما يجعل التشخيص أكثر تعقيدًا.
ويضيف أن هناك عاملين يفاقمان المشكلة: قصور نسبي في تعامل المنظومات الصحية مع الحالات النسائية، وتردد بعض النساء في طلب الاستشارة الطبية بدافع القوة والتحمل.
النوم والغذاء: ركائز أساسية لصحة القلب
يربط الدكتور فوستر بين نقص النوم وارتفاع مستويات التصلب الشرياني، موضحًا أن النوم أقل من ست ساعات أو النوم المتقطع يؤدي إلى زيادة في تراكم اللويحات داخل الشرايين. أما على صعيد التغذية، فيشير إلى أن بساطة العادات هي الأساس، مؤكدًا أن التعقيد في الحسابات الغذائية لا يساعد. وينصح بمبدأ بصري بسيط: “املأ نصف الطبق فقط”، فذلك يضمن التوازن دون الحاجة إلى عدّ السعرات الحرارية.
الحركة والهدوء… معادلة التوازن الصحي
يصف فوستر النشاط البدني بأنه علاج بيولوجي طبيعي؛ إذ يحسن الدورة الدموية، ويرفع الطاقة والتفاؤل، ويعزز الالتزام بالعادات الصحية. لكنه يضيف أن القلب لا يحتاج إلى الجهد فقط، بل إلى السكون أيضًا. فممارسة اليوغا أو التأمل مرتين أسبوعيًا، والتفكير الإبداعي في طرق تحسين نمط الحياة، تمثل مزيجًا قويًا لحماية القلب، لأن الإبداع – كما يقول – هو الذي يمنحنا القدرة على اتخاذ خطوات بسيطة لكنها دائمة.
رسالة تحفيزية من طبيب إلى الناس
يختتم الدكتور فالنتين فوستر نصائحه بالتأكيد على أن “صحة القلب تتطلب الانسجام بين الجسد والعقل والروح”، مشيرًا إلى أن الطب مهما تقدم يبقى محدودًا إن لم يصاحبه وعي شخصي وسلوك إيجابي. فالحب للحياة، كما يصفه، هو أفضل دواء للقلب، والاهتمام اليومي بالنفس هو الخطوة الأولى نحو سنوات أطول وأكثر عافية.
اقرأ أيضاً
طعام شائع يسرع انسداد الشرايين دون أن نشعر
دراسة حديثة تكشف دور الجهاز المناعي في تنظيم مخازن الدهون أثناء الإجهاد الغذائي
خبير قلب يوصي: تناول السردين مرتين أسبوعياً لهذا السبب المذهل!












