وطن-في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، يرى بيل غيتس أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تطور تقني جديد، بل نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ البشرية. فالتقدّم الذي أحدثته هذه التقنية لا يقف عند حدود الصناعة أو البرمجة، بل يتعداها ليطال التعليم والطب، والمهن التي طالما ظُنّت بعيدة عن الأتمتة.
في حديث مطوّل أجرته معه جامعة هارفارد بمسرح ساندرز، جلس مؤسّس “مايكروسوفت” مع أستاذ القيادة الاجتماعية آثر بروكس متأمّلًا ماضيه وكتابه “سورس كود”. لكن الحدث لم يكن استرجاعًا للذكريات بقدر ما كان نافذة على المستقبل، إذ طرح غيتس تصوّرًا جريئًا لعالم تصبح فيه “المعرفة المجانية” واقعًا ملموسًا.
الذكاء الاصطناعي… من الندرة إلى الوفرة
يعتقد غيتس أن الذكاء الاصطناعي سيمهّد لعصر تنتقل فيه المعرفة من كونها امتيازًا نادرًا إلى مورد متاح للجميع. فبعد أن كان امتلاك الخبرة العلمية أو الطبية مرتبطًا بسنوات من الدراسة والتدريب، ستتيح الخوارزميات الذكية مستوى مشابهًا من الكفاءة بكلفة شبه معدومة، أشبه بوفرة الإنترنت أو شبكات “واي فاي”. ويصف غيتس هذه المرحلة بأنها امتداد طبيعي للثورة الرقمية التي جعلت الحواسيب الشخصية في متناول الأفراد بعد أن كانت حكرًا على الشركات الكبرى.
الطب والتعليم في مسار التحول
وفق رؤيته، لن يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تحسين أدوات العمل، بل سيمتد لمعالجة أزمات حقيقية، مثل نقص الكوادر الطبية والمعلمين. ففي قطاع الطب، يتوقّع غيتس أن تتولى الأنظمة الذكية مهام التشخيص الأولي في المناطق التي تفتقر إلى الأطباء، بل وقد تتفوق على الإنسان أحيانًا، نظرًا لقدرتها على تحليل نطاق واسع من البيانات الطبية لا يستطيع الطبيب الإحاطة بها وحده. ويشير إلى أن المسألة ليست استبدالًا فوريًا للبشر، لكنها تحوّل تدريجي نحو اعتماد متزايد على الأنظمة الرقمية في اتخاذ القرارات الحساسة.
أما في التعليم، فيُرجّح غيتس أن تعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ”معلّم شخصي” يتكيّف مع احتياجات كل طالب، فيتابع تطوره ويحفزه على الاستمرار، مما قد يقلّص الفجوات بين المتعلمين في العالم.
تحذير من الوجه الآخر للتقنية
ومع هذا التفاؤل، يحذر غيتس من أن وفرة الأدوات لا تعني تلقائيًا تحسّن النتائج. فالقوة الكبيرة التي تتيحها البرمجيات قد تُستخدم على نحو خاطئ إذا أُطلقت من دون رقابة أو وعي مجتمعي، “فتمكين البشر لا يضمن بالضرورة استخدام القوة في الاتجاه الصحيح”، كما قال. ويخشى غيتس من أن تتحوّل المنصات التعليمية أو الصحية، التي صُمّمت لخدمة الناس، إلى أدوات تنشر التحيّز أو المعلومات المضلّلة إذا لم تُدار بمسؤولية.
تبدّل موازين القوة
يرى غيتس أن هذه التحولات لا تمثّل مجرد نقلة تقنية، بل تبدّلًا في موازين القوة والمعرفة. ففي لقاء تلفزيوني مع الإعلامي جيمي فالون، شبّه المرحلة المقبلة بتلك التي انتقل فيها الحاسوب من سلعة فاخرة إلى أداة شخصية، مؤكدًا أن “الذكاء نفسه” يعيش التحوّل ذاته اليوم. وأضاف أن العقد المقبل سيشهد وفرةً في الذكاء الاصطناعي إلى درجة أنه سيمنح أي شخص “إرشادًا طبيًا أو تعليميًا عالي الجودة” بلا مقابل تقريبًا.
وعندما سُئل عمّا إذا كانت هذه الطفرة ستجعل البشر غير ضروريين في أغلب مهامهم، أجاب بثقة: “لن نحتاج إلى البشر في معظم الأمور”، مستثنيًا بعض المجالات التي تتطلب اللمسة الإنسانية، مثل الرياضة أو البرامج الحوارية. لكن بقية الوظائف، حسب رأيه، ستُنفّذها الآلات بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
اقتصاد جديد واستثمارات صاعدة
يتعامل المستثمرون مع هذا الواقع القادم باعتباره فرصة لا تهديدًا. فالابتكار الذي يعيد تشكيل التعليم والرعاية الصحية يفتح أيضًا أبوابًا أمام الاقتصاد الجديد. ومنصات التمويل الجماعي باتت تمكّن المستثمرين الأفراد من دعم شركات ناشئة متخصّصة في أدوات التشخيص، وتقنيات التعلم التفاعلي، وحلول الأتمتة الإنتاجية، بمبالغ تبدأ من عشرة دولارات فقط.
بين الأمل والمسؤولية
ورغم ما تبشّر به هذه الرؤية من إمكانات مذهلة، يذكّر غيتس بأن التقدّم لا يقاس بتوافر التقنية وحدها، بل بمدى استخدامها لخدمة الإنسان. فـ”الذكاء المجاني”، كما يسميه، سيظل مجرد أداة ما لم يُدار بوعي أخلاقي يضمن عدالة الوصول إليه وشفافية تطبيقه.
في النهاية، تبقى الرسالة الأبرز أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يُرسم في المختبرات وحدها، بل في طريقة تعامل المجتمعات مع هذه القوة الجديدة — بين من يسعى لتسخيرها للخير العام، ومن قد يتركها بلا توجيه لتعيد هي تشكيل العالم على طريقتها.
قد يعجبك
تحذير من انعطاف خطير قد يعيد البشرية إلى عصور مظلمة
بعيداً عن التجارة.. تخصصات جامعية غريبة درسها المليونيرات قبل الوصول إلى القمة!












