وطن-بينما تتسارع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الخليج مطلع عام 2026، يعيش الإيرانيون في الداخل والخارج حالة من الترقّب والقلق المشوب بالخوف، وسط شائعات عن ضربة عسكرية وشيكة قد تطال بلادهم. هذه المخاوف لا تنبع فقط من احتمالات الحرب، بل من جروح داخلية ما زالت مفتوحة منذ القمع الدموي الذي أعقب احتجاجات ديسمبر الماضي.
مخاوف تزداد مع كل إشاعة
في ليلة 30 يناير، غلب الأرق على سكان العاصمة طهران. المهندس الأربعيني ميلاد يقول إنه ظل مستيقظًا حتى الصباح، يتوجس من دويّ انفجار قد يعلن بداية الحرب. أما شُهره، السيدة الستينية التي تمارس الرياضة الجماعية كل صباح في أحد متنزهات شرق طهران، فقد روت أن أحاديث الناس في الحديقة لم تخرج عن سؤال واحد: هل تضرب أميركا الليلة؟
تقول شهره بحزن إن الشارع غارق في البلبلة، فـ”البعض صار يظن أن ضربة أميركية قد تكون خلاصًا لهم من القمع الداخلي”، مضيفةً أن الإحباط جعل الناس تائهين بين الخوف واليأس، لا يعرفون أين تكمن مصلحتهم بعد الآن.
ظلّ الحرب يخيّم من جديد
على مدى أسبوع كامل، تصاعدت نبرة التهديدات الأميركية، ومعها عاد شبح الحرب إلى ذاكرة الإيرانيين. تحريك واشنطن لأسطول عسكري ضخم في الشرق الأوسط أطلق صفارات إنذار شعبية، في حين اعتبره البعض تمهيدًا لعقود تسليح جديدة مع إسرائيل والسعودية، بينما رآه آخرون بداية مرحلة أكثر توتراً في الإقليم.
في طهران، لم يلتئم بعد جرح المواجهات التي انطلقت نهاية ديسمبر بسبب الأزمة الاقتصادية، حين تحولت احتجاجات سوق طهران إلى انتفاضة امتدت إلى عدد من المدن. وتتباين الروايات بشدة حول حصيلة القمع: فبينما أعلنت مصادر رسمية سقوط 3,117 قتيلاً معظمهم من عناصر الأمن، تؤكد منظمات حقوقية أن العدد تجاوز 6,500 قتيل، أغلبهم من المدنيين، في ظل غياب تحقيق دولي مستقل يثبت الحقائق.
استعدادات حذرة وقلق صامت
من جهتهم، يستعد الإيرانيون بأسلوب يختلط فيه الحرص بالذعر. تُخبر ارزُو، الموظفة الحكومية ذات الـ32 عامًا، أن جيرانها بدؤوا بإغلاق النوافذ بإحكام تحسبًا للقصف، مضيفة: “قال لي جاري: عندما تسقط القنابل لن يفرّق الموت بين مؤيد النظام ومعارضه.”
يمتلئ الفضاء الإلكتروني، الذي عاد نشاطه بعد ثلاثة أسابيع من انقطاع الإنترنت إثر الاحتجاجات، الآن بنصائح عن كيفية النجاة من الهجمات الجوية. فمن تخزين المياه والطعام لعشرة أيام إلى تجهيز حقيبة طوارئ، وحفظ المستندات الأساسية في مكان يسهل حمله، تُتداول هذه التعليمات على نطاق واسع دون معرفة مصدرها، وسط شكوك بأن بعض الحسابات الآلية تروّج لها لأغراض سياسية.
وعلى الرغم من احتمال كونها دعاية مضللة، يلتزم كثيرون بها. تقول ارزُو إنها خزّنت ما يكفي عائلتها من الماء والمعلبات، فيما يؤكد أمين، المتقاعد السبعيني المصاب بمرض الكلى، أنه اشترى أدوية تكفيه ثلاثة أشهر. ويعلّق بحذر: “قد تكون هذه النصائح حربًا إعلامية، لكن الحذر واجب. لا أحد يعلم ما يخبئه الغد.”
ذاكرة حرب لا تموت
يرى أمين الذي عاش حرب الثماني سنوات مع العراق ثم الحرب الأخيرة مع إسرائيل، بلاده واقفة مجددًا على شفا الهاوية. ورغم معارضته للنظام منذ الثورة عام 1979، يقول بأسى: “لقد أعدموا رفاقي بالأمس، ويقتلون أبناءنا اليوم، لكن الحرب ليست حلاً، فهي ستمحو ما تبقى منا.”
الخوف نفسه يتردد بين ملايين الإيرانيين المقيمين في المهجر. فمع كل أزمة يتجدد قلقهم من انقطاع الاتصالات مع ذويهم داخل البلاد. فاطمة، المقيمة في فنلندا، تقول إنها طلبت من والديها مغادرة طهران مع تصاعد التوتر، لكنهما رفضا: “قالا إنهما لا يملكان مكانًا يذهبان إليه، لذا طلبت من صديقة أن تؤمن لهما مؤنًا وأدوية تحسبًا لأي طارئ.”
مشهد هادئ… وقلوب مضطربة
حتى الآن، تبدو الحياة اليومية في إيران طبيعية ظاهريًا؛ لا طوابير طويلة أمام محطات الوقود، والمتاجر مفتوحة، والطلاب ينتظرون حافلات المدارس في الصباح الباكر. غير أن القلق يتسلل إلى كل حديثٍ عابر.
سروش، الطالب البالغ من العمر 27 عامًا، انتقل مع أسرته إلى شمال البلاد أثناء الحرب السابقة لتفادي القصف الإسرائيلي. يُقارن الوضع اليوم بتلك الأيام قائلاً: “لسنا في حالة هلع كما كنا، الناس باتوا يعرفون شكل الحرب، ويتهيأون لها ذهنيًا.” لكنه يضيف بمرارة أن مأساة الإيرانيين تحوّلت إلى فرجة للعالم، مشيرًا إلى مواقع تراهن ماليًا على توقيت الضربة الأميركية. يقول: “حياتنا وموتنا أصبحا لعبة يتسلّا بها الآخرون.”
بين الخوف والإحباط
تشارك سابا، وهي أم لطفلين في الأربعين من عمرها، ذلك الإحساس بالخيبة. تخشى على مستقبل ابنتها وابنها، وتقول إنهم محاصرون بين بطش السلطة، وانتهازية المعارضة في الخارج، وتهديدات الحرب القادمة. وتختم بعبارة تختصر شعور كثيرين: “كم نحن شعب تعيس؛ حُكم يقتل أبناءه، ومعارضة تبحث عن مصالحها، وعدوّ يقوده أحمق لا يرى فينا سوى ساحة معركة.”
في طهران وسائر المدن، يحبس الناس أنفاسهم في انتظار ما قد يأتي من جهة البحر. وبينما يصمت الشارع، تدور الأسئلة في الخفاء: هل ستندلع الحرب فعلًا؟ أم أن التهديدات ستبقى في حدود الضغط السياسي؟ ويبقى الإيرانيون عالقين بين عنف الداخل وقلق الخارج، يطاردهم هاجس الانفجار القادم، وبارقة أمل خافتة بأن السلام ما زال ممكنًا.
اقرأ المزيد
إيران على مفترق تاريخي:وجوه غامضة تتأهب لوراثة حكم إيران بعد غياب المرشد
تصعيد جديد بين واشنطن وطهران بعد إعلان ترامب إرسال أسطول أمريكي نحو إيران












