وطن – بعد الاطلاع على مئات الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين سلطان أحمد بن سليم، رئيس موانئ دبي، وجيفري إبستين، تتكشّف علاقة تتجاوز الصداقة العابرة أو المجاملات البروتوكولية، لتُظهر نمطًا متشابكًا من الرعاية، والخدمات المتبادلة، والوساطة السياسية والمالية، وإدارة الأزمات، وصولًا إلى احتواء فضائح محتملة.
صداقة شخصية مكثّفة
تُظهر الإيميلات علاقة ودّية واضحة بين الطرفين. يتبادلان النكات، والأخبار اليومية، والسؤال عن الأحوال، والتهاني في الأعياد. في إحدى الرسائل يسأل إبستين سلطانًا عن رمضان، فيجيبه بأن اليوم هو السابع، وأن الصيام أصبح أسهل.
مئات الرسائل لا تتعدّى، في ظاهرها، ترتيب مواعيد، لقاءات، أو قضاء وقت مشترك.
غير أن هذا السطح الهادئ يخفي ما هو أعمق.
طلب خدمات… لا مجاملات
حين تتجاوز الرسائل تنسيق المواعيد، يظهر نمط واضح:
سلطان يطلب، وإبستين يتدخّل.
من بين هذه الطلبات:
- إرسال عشرات اختبارات الحمض النووي (DNA tests) التي يُجريها أشخاص لتحديد الأنساب التاريخية.
- التدخل كضامن في تعاملات تجارية؛ ففي إحدى المراسلات، تطلب شركة عقارات أميركية ضامنًا لسلطان، فيضع إبستين نفسه في نسخة الإيميل، ويؤكد أنه يضمنه شخصيًا، واصفًا إياه بـ«صديقي العزيز» و«أحد أغنى رجال العالم».
قروض بمئات الملايين
في رسالة أخرى، يبدو سلطان متعثرًا في مشروع فندقي خاص، فيطلب من إبستين المساعدة في الحصول على قرض بقيمة 125 مليون دولار. لا يعده إبستين صراحة بتأمين القرض، لكنه يبذل محاولات ويستخدم شبكة علاقاته.
رعاية سياسية كاملة
في عدد من الإيميلات، تتخذ العلاقة شكل رعاية شبه أبوية:
- يطلب سلطان من إبستين تقديمه إلى رئيس مجلس إدارة سوني الجديد.
- يسأله عن رجل أعمال كبير على وشك لقاء أمير قطر.
- يطلب مساعدته للحصول على موعد مع جون كيري.
- يرسل له رسائل وإيميلات عمل قبل إرسالها رسميًا، طالبًا مراجعتها لغويًا وسياسيًا، للتأكد من ملاءمة الصياغة.
في المقابل، لا يظهر في الإيميلات سوى ودّ كامل من إبستين، واستعداد دائم للمساعدة.
نقل رسائل القيادة
يرسل سلطان بانتظام تحيات الشيخ محمد بن راشد مكتوم إلى إبستين، وينقل له آراء القيادة في أفكار اقترحها إبستين ونالت إعجابهم.
وفي رسالة تعود إلى أغسطس/آب 2011، يكتب سلطان أن عبدالله بن زايد يرغب في لقاء إبستين. يرد إبستين بالموافقة، فيُدرج سلطان اسم محمد الخاجة لتنسيق الاجتماع، وكان حينها رئيس مكتب عبدالله بن زايد، قبل أن يصبح لاحقًا أول سفير إماراتي لدى إسرائيل.
تل أبيب… وعلاقات إسرائيلية مباشرة
في رسالة أخرى، يطلب سلطان مساعدة لإيجار فيلا في تل أبيب. يتواصل إبستين بدوره مع زوجة إيهود باراك التي تظهر الإيميلات أنها صديقة شخصية له—طالبًا المساعدة.
وفي سياق مختلف، يرسل سلطان وزوجته رسالة إلى إبستين يطلبان فيها مساعدتهما في العثور على أفضل مؤسسة صحية لعلاج ابنتهما. يرد إبستين باهتمام واضح، يسأل عن تفاصيل المرض، ويعد بالمساعدة.
شبكة عالمية من الرؤساء
تكشف الإيميلات عن نشاط مشترك في دوائر السلطة العالمية:
لقاءات مرتبة أو قيد الترتيب مع:
- رئيس المالديف
- مسؤولين في ساحل العاج
- كينيا
- السنغال
لا يظهر في الرسائل أي اهتمام بلقاء شخصيات دون مستوى الرؤساء أو الدوائر القريبة منهم.
ابتزاز… وإدارة أزمة
من أكثر الإيميلات إثارة رسالة يتلقاها سلطان من مجموعة أشخاص يحاولون ابتزازه. يرسل سلطان الرسائل فورًا إلى إبستين، الذي يرد بحزم:
لا ترد عليهم. هذه عملية نصب. أرسل لي كل الإيميلات القديمة، وسنحوّل الملف إلى المحامي.
اسم يظهر في الخلفية: كيتان سومايا
تتضمّن الرسائل تواصلًا يبدو روتينيًا مع رجل أعمال يُدعى كيتان سومايا، من أصل هندي، عمل في التسعينيات وبدايات الألفية في قطاع البنوك والأعمال في أفريقيا ودبي، وترأس Dolphin Group، وتمتع بنفوذ سياسي واسع، خصوصًا في كينيا.
في عام 2014، أدانته محكمة Old Bailey في لندن بتهم احتيال على مستثمرين بنحو 20 مليون دولار، ووصفه القاضي بأنه محتال على «مقياس أولمبي»، وحُكم عليه بالسجن ثماني سنوات. الصحافة الكينية والآسيوية لقبته بـ King Con.
الإيميل الذي يتلقاه سلطان من سومايا يبدو وكأنه يقترح شركة علاقات عامة عملت معه سابقًا. يرفق تقرير سمعة وعلاقات عامة خاص به. يرسل سلطان الملف إلى إبستين طالبًا رأيه، في ما يبدو خطوة استشارية قبل التعامل مع الشركة نفسها.
فندق Royal Amwaj وHyatt
في مايو/أيار 2012، يطلب سلطان من إبستين التدخل لتسهيل عقد إدارة لفندق Royal Amwaj في دبي. يذكر أن Hyatt Hotels Corporation زارت المشروع، ويطلب من إبستين التواصل مع توماس بريتزكر و«قول كلمتين حلوين» لتسريع الصفقة. ويصرّح بأنه يفضّل Hyatt على Marriott وStarwood.
خدمات شخصية هامشية… لكنها كاشفة
في إيميلات أخرى:
- يطلب سلطان من مديرة فنادقه تشغيل امرأة «من طرف إبستين» متخصصة في المساج.
- يرسل رسالة يقول فيها إن «الأوكرانية والمالديفية وصلوا»، لكنه محبط لأن المالديڤية «لم تكن جذابة مثل الصور»، فيرد إبستين ساخرًا: «فوتوشوب؟»، ليجيبه سلطان:
“Not only that, she was too short and too skinny.”
قضية «ديبي»: الخيط الأخطر
يتلقى سلطان رسالة تهديد من امرأة تُدعى ديبي، تقول إنها ستبلّغ السلطات، وإنها تعرف أنه ساعدها في جرائمها. يتضح لاحقًا أن الجرائم تتعلق بتزوير تأشيرات، وأنها تقضي عقوبة.
يرد سلطان بأنها نصيحة محاميه ألا يتواصل معها. فترد برسالة غاضبة بعنوان:
“Re: Your ridiculous message”
تطالبه فيها بإرسال بيان إلى US Marshals يشرح فيه دوره في aiding and abetting (المساعدة والتحريض)، أو الصمت، محذّرة من أن ضباط المراقبة في مونتانا يعرفون الكثير.
يرسل سلطان الرسائل إلى إبستين، طالبًا النصيحة. يجيبه إبستين بوضوح: لا ترد عليها.
ويكيبيديا… والاقتراب من العلن
بعد أيام، تصل رسالة إلى شخص مقرّب من سلطان تُبلغه بأن شخصًا ما يعدّل صفحة ويكيبيديا الخاصة به، ويضيف فقرة تشهيرية تتطابق تقريبًا مع رواية ديبي، تتهمه بترتيب لقاء في فلوريدا عام 2004، والمشاركة في مخطط احتيال في جوازات السفر الأميركية، وتحويل أموال لمساعدتها على الهرب، وتنتهي بالإشارة إلى احتمال توجيه اتهام فدرالي قبل انتهاء التقادم في أغسطس 2014.
يتأكد لاحقًا أن الفقرة أُضيفت بالفعل إلى سجل تعديلات ويكيبيديا.
يرسل سلطان النص إلى إبستين مذعورًا، يسأله ماذا يفعل. يجيبه إبستين بأن يتواصل جيم ميلر مع «الابن» لمعرفة عنوان المرأة وتفاصيل حياتها.
لاحقًا، يتبين أن المرأة نفسها رفعت دعوى ضد الضباط الذين قبضوا عليها، مدّعية سرقة مجوهرات تزيد قيمتها على 80 ألف دولار من غرفتها.
الخلاصة
ما تكشفه هذه الإيميلات ليس صداقة لطيفة بين رجلين نافذين، بل نظامًا متكاملًا يعمل في الظل:
- صفقات تُفتح
- قروض تُدبّر
- علاقات تُسهَّل
- فضائح تُحتوى
- أشخاص يُراقَبون
- وأزمات تُدار بعيدًا عن العلن
إنها صورة لشبكة نفوذ، لا لمراسلات عابرة.
اقرأ أيضاً:












