وطن-في زمنٍ تتسارع فيه التحولات التقنية، لم تعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة بحثية أو رفاهية رقمية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الحياة اليومية. ومع توسّع استخدامه في المنازل وأماكن العمل على حدّ سواء، تتكشف انعكاسات غير متوقعة على قطاعات التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد العالمي.
صعود غير مسبوق للذكاء الاصطناعي وتداعياته على البنية التحتية
تشير بيانات تحليلية إلى أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل “شات جي بي تي” الذي أطلق عام 2022، بلغ مستويات فريدة؛ إذ يتلقى هذا البرنامج وحده أكثر من 2.5 مليار طلب يوميًا. هذا الإقبال الكثيف دفع الشركات الكبرى إلى استثمار مبالغ هائلة في بناء مراكز بيانات مخصصة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي بكفاءة. ووفق تقديرات مصرف “مورغان ستانلي”، قد يصل حجم الإنفاق على تلك المراكز إلى نحو 3 تريليونات دولار بين عامي 2025 و2029، يُنفق نصفها تقريبًا على شراء العتاد الإلكتروني المتقدّم.
غير أن هذا التوسع السريع خلق اختلالًا كبيرًا بين العرض والطلب في سوق أشباه الموصلات العالمية، خصوصًا في قطاع شرائح الذاكرة. ومع توجه شركات كبرى مثل “سامسونغ إلكترونيكس” و”إس كيه هاينكس” و”مايكرون تكنولوجي” لإنتاج وحدات ذاكرة مخصصة لمراكز البيانات، تراجع المعروض من الذاكرة الموجّهة للأجهزة الاستهلاكية، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الأسعار عالميًا.
ندرة شرائح الذاكرة تُشعل الأسعار
ارتفاع أسعار ذاكرة الوصول العشوائي (RAM) لم يعد قضية تقنية فحسب، بل أزمة تمتد إلى المستهلك النهائي. فوفق تحليل صادر عن الموقع الألماني Computer Base، قفزت أسعار شرائح الذاكرة بنسبة 344% مقارنة بأسعار سبتمبر 2025، وترافق ذلك مع زيادات في أسعار وحدات التخزين SSD وHDD بنسبة 74% و46% على التوالي.
شركات تصنيع الحواسيب، ومنها “سايبر باور بي سي”، أعلنت عن رفع أسعارها في ديسمبر 2025 بعد تضاعف أسعار وحدات التخزين بنسبة 100%. ومع تأثر بطاقات الرسومات أيضًا، سجّلت مؤسسة IDC توقعاتها بارتفاع أسعار الحواسيب المكتبية والمحمولة بما يصل إلى 8% خلال 2026، فيما حذرت شركات مثل لينوفو وديل وإتش بي وأسوس من احتمال ارتفاع الأسعار بنسبة قد تبلغ 20%.
الهواتف الذكية ليست في مأمن
الضغط على سوق الذاكرة انعكس مباشرة على أسعار الهواتف الذكية التي تعتمد بدورها على شرائح الذاكرة والمعالجات. وذكرت شركة الأبحاث Counterpoint Research أن التكلفة الأساسية لتصنيع الهواتف منخفضة ومتوسطة الفئة ارتفعت بنسبة تتراوح بين 20% و30% في 2025، في حين سجّل القطاع الراقي زيادات بنسب بين 10% و15%.
تلك الارتفاعات دفعت بعض الشركات إلى إعادة استخدام مكونات قديمة أو خفض مواصفات معينة لتقليل النفقات. كما توقعت IDC أن ترتفع أسعار الهواتف عالميًا بنسبة تصل إلى 8% هذا العام، مع الإشارة إلى أن الذاكرة تمثل نحو 20% من تكلفة تصنيع الجهاز الواحد.
الرئيس التنفيذي لشركة Nothing، كارل باي، أكد في منشور حديث أن أسعار الذاكرة تضاعفت ثلاث مرات بسبب الطلب الهائل من بنى الذكاء الاصطناعي التحتية، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة قد تجعل الذاكرة أكبر عنصر تكلفة في الهواتف بحلول نهاية العام، وأن شركته ستضطر لرفع الأسعار بنحو 30%.
قطاع السيارات يترقّب تبعات النقص
من الحواسيب والهواتف إلى السيارات، تمتد الأزمة لتشمل قطاع النقل الذكي. فالمركبات الحديثة تعتمد على شرائح ذاكرة للتحكم بأنظمة القيادة الذاتية وتحديثات البرمجيات والمساعدة الذكية للسائق. ويشير تقرير من S&P Global إلى أن استمرار أزمة الذاكرة قد يؤدي إلى تأخر الإنتاج وارتفاع كلفة تصنيع السيارات المزودة بأنظمة متقدّمة.
التقرير يحذر من أن التأثير المباشر لن يكون بنقص فوري في الشرائح، بل بزيادة فترات التسليم وتقييد الحصص المتاحة للشركات، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على الأسعار في المدى البعيد، كما حدث خلال أزمة الرقائق في عام 2021.
القطاع التلفزيوني في دائرة التأثر
ولم يسلم سوق الأجهزة المنزلية أيضًا؛ فالتلفزيونات الذكية تعتمد على ذاكرة تشغيل عالية لتقديم خدمات البث والتطبيقات. الرئيس التنفيذي المشارك لشركة سامسونغ إلكترونيكس، تي. إم. روه، وصف الأزمة بأنها “غير مسبوقة”، مؤكدًا أن تأثيرها سيصل إلى معظم الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية. وأضاف رئيس الشركة وونجين لي في تصريح آخر أن أسعار الذاكرة “آخذة في الارتفاع”، وهو ما قد يفرض إعادة تسعير المنتجات الجديدة خلال 2026.
بحسب بيانات مؤسسة Omdia البحثية، ارتفعت تكلفة شرائح الذاكرة المستخدمة في أجهزة التلفزيون بنسبة 50%، وهو ما يُتوقع أن ينعكس على أسعار تلك الأجهزة في العام المقبل مع زيادة متوسط تكلفة التصنيع الكلية.
موازنة بين الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الواقعي
فيما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا غير محدودة للابتكار والإنتاجية، يبدو أن موجة التحول الرقمية تفرض ضريبة خفية على جيب المستهلك العادي. فالسباق نحو تطوير تقنيات أكثر ذكاءً وفاعلية يستدعي موارد أكبر، ويعيد رسم خريطة الصناعات التقنية من جذورها. وبينما تتسابق الشركات لتلبية الطلب المتصاعد، يبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن بين التطور التقني واستدامة سلاسل الإمداد، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي من محرك للتقدم إلى سببٍ في أزمة اقتصادية جديدة.
قد يعجبك
“لن نحتاج للبشر في معظم الأشياء”.. تصريحات مثيرة من بيل غيتس حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
“لن نحتاج للبشر في معظم الأشياء”.. تصريحات مثيرة من بيل غيتس حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
عام الروبوتات المرعبة: كيف غيّرت الصين والذكاء الاصطناعي موازين القوة من الشوارع إلى ساحات الحرب












