الكويت/الرياض/أبوظبي – تقرير خاص – لم تعد الخلافات السعودية الإماراتية تُدار كما اعتادت العواصم الخليجية أن تدير نزاعاتها: بصمتٍ دبلوماسي، وابتساماتٍ مصطنعة، ووساطاتٍ تُطبخ خلف الأبواب المغلقة. فبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، يبدو المشهد اليوم كما لو أن سدًا من التفاهمات القديمة قد انفجر دفعة واحدة، لتتدحرج شظايا الانقسام في كل اتجاه، وتُحدث ارتدادات تتجاوز الخليج إلى اليمن والسودان والقرن الإفريقي، وربما إلى الأسواق العالمية والتحالفات الدولية أيضًا.
إنه شرخٌ بين دولتين تملكان النفط والنفوذ والأموال والقدرة على تحريك الملفات الساخنة في المنطقة، لكن الأخطر في هذا الانقسام أنه لم يعد خلافًا عابرًا على “ملف” أو “تفصيل”، بل بات صراعًا مفتوحًا على معنى النفوذ ذاته، وعلى شكل الشرق الأوسط القادم، وعلى من يملك حق قيادة الخليج سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
من الخلاف المكتوم إلى الانفجار العلني
على مدى سنوات طويلة، نجحت السعودية والإمارات في إبقاء خلافاتهما ضمن الحدود المقبولة: تفاهمات هادئة، مساومات سياسية، تسويات حدودية، وحرص على عدم إظهار الانقسام أمام العالم.
لكن تقرير نيويورك تايمز يشير إلى أن ما يجري اليوم لم يعد قابلًا للإخفاء، وأن العلاقة بين الجارين القويين والغنيين بالنفط – اللذين نجحا في بناء نفوذ عالمي واسع – دخلت مرحلة جديدة أكثر قسوة، مرحلة قد تملك القدرة على تفجير الحروب وتعميقها، وتحريك الأسواق وتوسيع نطاق الصراع في أكثر من ساحة.
اليمن: الشرارة التي كشفت المستور
يبدو اليمن، وفق نيويورك تايمز، المسرح الأكثر وضوحًا لانفجار الأزمة. ففي ديسمبر، قادت جماعة انفصالية مدعومة من الإمارات هجومًا وُصف بالفاشل للسيطرة على جنوب البلاد، وهي منطقة تقع على خطوط تجارة عالمية حساسة وممرات استراتيجية تشكل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد الدولي.
ردّ السعودية جاء – بحسب التقرير – شديدًا ومباشرًا، إذ انتزعت الرياض النفوذ من أبوظبي، وأعلنت عمليًا أن المملكة وحدها ستتولى مستقبل اليمن، في رسالة لا تحتمل التأويل: “انتهى زمن الشراكة، والقرار الآن سعودي”.
ويصف الخبير إتش إيه هيليير، الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، هذا التحول بقوله إن ما يجري ليس مجرد خلاف تكتيكي عابر، بل “انقسام استراتيجي حول مفهوم الاستقرار في الشرق الأوسط”.
تحالف الأمس يتحول إلى خصومة اليوم
تستحضر نيويورك تايمز حقيقة أن واشنطن كانت تنظر إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وحاكم الإمارات محمد بن زايد، بوصفهما شريكين طبيعيين. فقد خاضا معًا حرب اليمن عام 2015 ضمن تحالف عسكري ضخم بهدف صد الحوثيين المدعومين من إيران.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تباعدًا متسارعًا في المسارات:
- دعم أطراف متنافسة في حرب السودان
- اختلاف في السياسة النفطية
- منافسة اقتصادية حادة على الاستثمارات والشركات متعددة الجنسيات
- صراع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي
حتى باتت “الأخوة الخليجية” مجرد قشرة رقيقة تغطي تناقضًا عميقًا.
من المجاملات إلى “حرب كلامية قبيحة”
كانت العلاقات في العلن تُقدّم للناس على أنها علاقات مودّة وتلاحم، مدعومة بروابط قبلية وثقافية، لكن نيويورك تايمز تشير إلى أن هذه الواجهة انهارت بسرعة مذهلة، وأن التبادل الودي تحوّل خلال أسابيع إلى حرب روايات وشتائم سياسية وإعلامية.
الإعلام السعودي ومنصات محسوبة على الدولة بدأ يظهر ازدراءً علنيًا للإمارات، متهمًا أبوظبي بأنها تبذر الفوضى في المنطقة عبر دعم الميليشيات في اليمن والسودان، وأن طموحاتها “متضخمة”، وأن الوقت قد حان لإعادتها إلى “حجمها الطبيعي”.
في المقابل، تتذمر النخب الإماراتية من أن السعودية تتصرف كـ”أخ أكبر” متسلط، يريد الهيمنة على القرار الخليجي واحتكار قيادة المنطقة.
ملف السجون السرية: السعودية تفتح دفاتر الاتهام
أخطر مراحل التصعيد، بحسب نيويورك تايمز، جاءت حين حاولت السعودية تسليط الضوء على أدلة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان المنسوبة للإمارات في اليمن.
فقد نظمت جهات يمنية مدعومة من الرياض جولة لصحفيين داخل منشآت مهجورة، قالت إنها كانت سجونًا سرية تديرها الإمارات، حيث جرى احتجاز يمنيين وتعذيبهم.
التقرير يلفت إلى أن هذه الاتهامات ليست جديدة، فقد خلصت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قبل سنوات إلى أن القوات الإماراتية كانت مسؤولة عن احتجاز خارج القانون، وإخفاء قسري، وتعذيب.
لكن وزارة الدفاع الإماراتية ردت بنفي قاطع، معتبرة الاتهامات “حملة منظمة لتشويه سمعة الدولة” ولا تستند إلى أدلة.
السعودية تستعرض قوتها المالية: مليار دولار سنويًا
وفي خطوة تحمل دلالة سياسية ثقيلة، تعهدت السعودية – وفق مسؤولين يمنيين تحدثوا لنيويورك تايمز – بتغطية رواتب جميع موظفي الحكومة اليمنية المدنيين والعسكريين في المستقبل المنظور، وهو التزام مالي يتجاوز مليار دولار سنويًا.
هذا الإعلان ليس مجرد “مساعدة”، بل رسالة استراتيجية مفادها أن السعودية مستعدة لشراء النفوذ بالكامل، وملء الفراغ الذي كانت الإمارات تتحرك داخله.
قرقاش يصفها بـ”الفجور في الخصومة”
في مقابل التصعيد السعودي، نقل التقرير تصريحات للمسؤول الإماراتي البارز أنور قرقاش قال فيها إن الإمارات أصبحت هدفًا لـ”حملة إعلامية غير مسبوقة”، مضيفًا أن اختلاف الآراء طبيعي، لكن “غير الطبيعي هو الفجور في الخصومة”.
أما وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان فقد حاول تخفيف حدة المشهد في تصريح صحفي في 26 يناير، مؤكدًا أن علاقة المملكة بالإمارات “مهمة للغاية”، لكنه أشار إلى “اختلاف في وجهات النظر” حول اليمن، مع تركيزه على نقطة حساسة: أن الإمارات “قررت مغادرة” البلاد.
وبحسب نيويورك تايمز، فإن تكرار الوزير لكلمة “إذا” أثناء حديثه عن مغادرة الإمارات لليمن بدا كأنه يكشف عمق عدم الثقة بين الطرفين.
ترامب يراقب… ولا ينحاز
التقرير يشير إلى أن إدارة ترامب تتردد في الانحياز لأي طرف. فكلا البلدين يمثلان ركيزة لسياسات واشنطن في الشرق الأوسط، وكلاهما عزز روابط اقتصادية وتجارية مع عائلة الرئيس الأمريكي.
لكن مع تعمق الأزمة، تبدو السعودية – وفق محللين – وكأنها تتحرك بقوة لتقويض المصالح الإماراتية في ساحات متعددة.
ويقول المحلل السياسي السعودي سلمان الأنصاري: “من وجهة نظر الرياض، الثقة مع أبوظبي قد استُنفدت، ولم تعد الكلمات والتطمينات ذات أهمية”.
القرن الإفريقي: الحرب المقبلة على مرمى البحر الأحمر
بحسب نيويورك تايمز، فإن المرحلة القادمة من الصراع قد تنتقل إلى القرن الإفريقي، حيث تتشابك المصالح الخليجية مع النزاعات الداخلية.
في السودان، يدعم البلدان أطرافًا متحاربة:
- الإمارات تدعم قوات الدعم السريع
- السعودية تدعم الجيش السوداني
كما أن ولي العهد السعودي حث إدارة ترامب في نوفمبر على التوسط لاتفاق سلام في السودان، ما أدى إلى تسليط الضوء الدولي على دور الإمارات هناك.
وفي الصومال، حيث كانت السعودية داعمًا قويًا للحكومة المركزية، عززت الإمارات علاقات وثيقة مع “أرض الصومال”، وهي منطقة انفصالية، ما دفع الحكومة الصومالية في 12 يناير إلى إنهاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، متهمة أبوظبي بـ”أعمال عدائية وزعزعة للاستقرار”.
ويحذر آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، من أن الصدع الخليجي قد يؤدي إلى تصعيد الحرب في السودان وزيادة الانقسام في الصومال.
تركيا وباكستان والهند… لعبة التحالفات تتغير
نيويورك تايمز تشير إلى تطور خطير آخر: السعودية تسعى إلى اتفاق دفاع متبادل ثلاثي مع باكستان وتركيا.
ومع انتشار أنباء هذا الاتفاق، قام محمد بن زايد بزيارة سريعة إلى الهند، الخصم النووي لباكستان، في إشارة إلى أنه قد يسعى بدوره إلى اتفاق دفاعي هناك أيضًا.
وهذا يعني أن الانقسام لم يعد “إعلاميًا”، بل بدأ يترجم إلى إعادة تشكيل تحالفات استراتيجية.
أزمة أخطر من حصار قطر… لأن لا أحد يعرف المطلوب
في أزمة 2017 مع قطر، قدمت السعودية والإمارات قائمة مطالب واضحة، وتمكنت الكويت وعُمان لاحقًا من دفع مسار المصالحة حتى انتهت الأزمة في قمة 2021.
لكن محمد بهارون، رئيس مركز بحوث في دبي، يقول – وفق نيويورك تايمز – إن الأزمة الحالية أكثر غموضًا وخطورة، لأنها بلا قائمة مطالب.
إنه خلاف مفتوح لا يعرف أحد أين ينتهي، ولا ما هي شروطه، ولا كيف يمكن تسويته.
ويحذر بهارون من أن الأزمة قد تُصلح يومًا ما، لكنها ستترك ندبة طويلة، متسائلًا: “إلى أي حد ستكون هذه الندبة؟ وماذا ستذكرك عندما تنظر في المرآة؟”.
خاتمة المشهد: الخليج يدخل مرحلة ما بعد الأخوة
بحسب نيويورك تايمز، لم تعد الأزمة السعودية الإماراتية مجرد “توتر عابر” بين حليفين، بل باتت معركة نفوذ عميقة تُعيد رسم خرائط التحالفات والصراعات في المنطقة.
إنها حرب صفعات سياسية وإعلامية تتوسع دون سقف واضح، ودون مطالب معلنة، ودون قدرة حتى الآن على احتوائها… ما يجعلها، في نظر كثير من المحللين، أخطر انقسام خليجي منذ عقود.
اقرأ أيضاً:












