وطن-بحسب دراسة حديثة شملت أكثر من 300 ألف شخص بالغ، قد يشكّل السهر والنوم في ساعات متأخرة من الليل عاملاً خفياً يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية. النتائج التي نُشرت في مجلة الجمعية الأمريكية للقلب تشير إلى أن الأشخاص المعروفين بكونهم “محبي السهر” أكثر عرضة بنسبة 16 في المئة للإصابة بمشكلات قلبية مقارنة بغيرهم ممن ينامون في أوقات مبكرة.
خلفية الدراسة ومنهجها
أجرى فريق بحثي من مستشفى بريغهام للنساء وجامعة هارفارد، بقيادة الدكتور سينا كيانتسي، تحليلاً واسعاً لبيانات نحو 323 ألف بالغ من متوسطي وكبار السن المشاركين في مشروع “بنك البيانات البريطاني” الذي يتابع الحالة الصحية للمشاركين على المدى الطويل.
تمّ التركيز على أنماط النوم ومستويات النشاط اليومي والصحة القلبية ومؤشرات الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وقد صنّف نحو 8 في المئة من المشاركين أنفسهم كـ”محبي السهر”، مقابل 25 في المئة ممن وصفوا أنفسهم بأنهم “مبكرون”، بينما وقع الباقون في نطاق متوسط بين الفئتين. وخلال فترة متابعة امتدت 14 عاماً، تبيّن أن الذين يميلون للسهر هم الأكثر تعرضاً لاحقاً للإصابة بنوبات قلبية أو جلطات دماغية.
تفسير العلاقة بين السهر وصحة القلب
يؤكد الباحثون أن الخطر لا يعود إلى توقيت النوم بحد ذاته بقدر ما يرتبط بنمط الحياة المصاحب له. إذ تبيّن أن 75 في المئة من العلاقة بين تفضيل السهر وأمراض القلب يمكن تفسيرها بتقصير الساهرين في الالتزام بعادات صحية أساسية، مثل النوم الكافي، والنظام الغذائي المتوازن، والنشاط البدني المنتظم.
ويشرح كيانتسي أن توصيات الجمعية الأمريكية للقلب المعروفة بـ”العناصر الثمانية الأساسية لصحة القلب” تعتمد على سلوكيات يومية منتظمة، غير أن الحياة العملية والاجتماعية التي تسير وفق مواعيد صباحية تجعل من الصعب على من يميلون إلى النشاط الليلي الحفاظ على روتين ثابت في مواعيد النوم والطعام والحركة. هذا الاضطراب في الساعة البيولوجية يؤدي بمرور الوقت إلى اضطرابات في ضغط الدم وسكر الدم، وهما عاملان رئيسيان في صحة القلب.
الخبراء يوضحون
الدكتورة جينيفر وونغ، مديرة قسم أمراض القلب غير التدخلية في معهد ميموريال كير للقلب والأوعية الدموية في كاليفورنيا، تشير إلى أن السهر المتكرر يؤدي غالباً إلى قلة النوم أو تقطّعه، ما يرتبط بارتفاع واضح في مخاطر أمراض القلب.
أما كيانتسي، فيرى أن المشكلة ليست في “تأخر موعد النوم” بحد ذاته، بل في التحدي الذي يواجهه هؤلاء في بيئة مجتمعية تعتمد جداول صباحية صارمة. فحين يضطر الشخص إلى الاستيقاظ مبكراً رغم طبيعته المسائية، يختل نظام نومه ويتشتت تعرضه للضوء وتنقلب مواعيد وجباته وأنشطته، الأمر الذي يجعل الحفاظ على نمط صحي أمراً بالغ الصعوبة.
كيف يمكن تقليل المخاطر؟
يوصي الباحثون بعدم محاولة تغيير الساعة البيولوجية بشكل قسري، بل بتبنّي استراتيجيات مرنة للحفاظ على صحة القلب وفق إيقاع الحياة الخاص بكل فرد.
ويشمل ذلك الالتزام بمبادئ “العناصر الثمانية الأساسية” التي تتضمن:
- تناول غذاء متوازن غني بالخضروات والفواكه والبروتينات الصحية والمكسرات والحبوب الكاملة.
- ممارسة نشاط بدني معتدل لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعياً، أو شديد الكثافة لمدة 75 دقيقة.
- الامتناع عن التدخين.
- الحصول على سبع ساعات نوم على الأقل كل ليلة.
- الحفاظ على وزن صحي.
- مراقبة الكوليسترول وتجنب الأغذية الغنية بالسكريات والدهون المشبعة واللحوم المصنعة والملح الزائد.
- ضبط مستوى السكر في الدم.
- متابعة ضغط الدم بانتظام.
يؤكد الدكتور كيانتسي أن السهر لوقت متأخر من الليل لا يعني حكماً مسبقاً بالإصابة بأمراض القلب، فمعظم عوامل الخطر يمكن السيطرة عليها عبر تعديلات بسيطة ومستدامة في نمط الحياة. الرسالة الأهم، كما يشدد الخبراء، هي أن صحة القلب لا ترتبط فقط بعدد ساعات النوم، بل بتناسق السلوك اليومي وغذاء الجسد والروح مع إيقاع حياة صحي ومتوازن.
اقرأ المزيد
بشرة متعبة… ونفس منهَكة: كيف ينعكس الضغط النفسي على مظهر الجلد؟
لماذا يمرض البعض ويقاوم الآخرون؟ دراسة تكشف دور الأنف كخط دفاع أساسي












