وطن – أطلق النائب الديمقراطي رو خانا، أعلى مسؤول ديمقراطي في اللجنة التابعة لمجلس النواب الأمريكي والمكلفة بالإشراف على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، تحقيقًا رسميًا في استثمار ضخم بلغت قيمته نصف مليار دولار قدّمه أحد أفراد الأسرة الحاكمة في أبوظبي لشركة عملات رقمية مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة أثارت عاصفة سياسية في واشنطن وأسئلة تتعلق بالفساد وتضارب المصالح واحتمالات التأثير الأجنبي على القرار الأمريكي.
وبحسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، فقد بعث خانا رسالة تضم قائمة من 16 سؤالًا إلى زاك ويتكوف، الرئيس التنفيذي لشركة World Liberty المدعومة من ترامب، طالبًا مستندات كاملة تتعلق بالصفقة التي أبرمتها الشركة مع الشيخ في أبوظبي، وهي الصفقة التي كشفتها الصحيفة سابقًا وأثارت جدلًا واسعًا باعتبارها سابقة غير مسبوقة في السياسة الأمريكية الحديثة.
أسئلة عن الأرباح… وعن من يملك القرار فعليًا
وطالب خانا الشركة بتقديم سجلات تفصيلية حول كيفية توزيع الإيرادات والأرباح، والسياسات الداخلية المتعلقة بتضارب المصالح، وأي إجراءات تدقيق قانوني أو مالي أُجريت قبل توقيع الاتفاقية.
وكتب خانا في رسالته أن القضية لا تتعلق بـ”فضيحة سياسية عابرة”، بل قد تكون انتهاكًا مباشرًا للدستور الأمريكي وعدة قوانين فيدرالية، محذرًا من أن خطورة الصفقة تكمن في تأثيرها المحتمل على النزاهة الأمريكية في لحظة حساسة من الصراع مع الصين.
وقال خانا، وفق ما نقلته وول ستريت جورنال:
“هذه الترتيبات ليست مجرد فضيحة، بل قد تمثل انتهاكًا لعدة قوانين ودستور الولايات المتحدة. قدرتنا على التفوق بنجاح على الحزب الشيوعي الصيني تعتمد على نزاهة عملية صنع السياسات لدينا.”
الرد: “اضطهاد سياسي”… لكن الأسئلة تتضخم
ورد متحدث باسم شركة وورلد ليبرتي على التحقيق بلهجة هجومية، معتبرًا أن ما يجري ليس سوى استهداف سياسي:
“هؤلاء المشرعون يضايقون شركة أمريكية خاصة لكسب نقاط سياسية… هذا هجوم بلا أساس.”
غير أن خانا لم يكتفِ بمراسلة الشركة، بل ذهب خطوة أبعد حين وجّه رسالة منفصلة إلى المدعي العام الأمريكي في ولاية ديلاوير بن والاس، طالبًا منه التدقيق في شركة ذات مسؤولية محدودة مقرها ديلاوير استخدمها المستثمرون القادمون من أبوظبي لإتمام الصفقة.
وبحسب الصحيفة، فإن والاس عُيّن في ديسمبر بعد استقالة سلفه، فيما لم يصدر أي تعليق رسمي فوري من مكتب المدعي العام بشأن الرسالة.
الصفقة السرية: 49% مقابل نصف مليار
وكانت وول ستريت جورنال قد كشفت الأسبوع الماضي أن ممثلين عن أمير من أبوظبي وقعوا في يناير 2025 اتفاقًا سريًا مع عائلة ترامب لشراء 49% من شركة وورلد ليبرتي مقابل 500 مليون دولار.
ووفق تفاصيل الصفقة التي نقلتها الصحيفة، فإن المشترين وافقوا على دفع نصف المبلغ مقدمًا، بحيث يتم توجيه:
- 187 مليون دولار إلى كيانات تابعة لعائلة ترامب
- 31 مليون دولار إلى كيانات مرتبطة بعائلة ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب المستقبلي إلى الشرق الأوسط ووالد زاك ويتكوف
ووصفت الصحيفة هذه الخطوة بأنها واحدة من أخطر السوابق في السياسة الأمريكية، إذ يحصل مسؤول أجنبي على حصة ملكية ضخمة في شركة مرتبطة برئيس أمريكي قادم إلى الحكم، في لحظة سياسية حساسة.
طحنون بن زايد… “الشيخ الجاسوس” في قلب العاصفة
وبحسب وول ستريت جورنال، فإن الاستثمار كان مدعومًا من الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي، الذي يلقبه البعض داخل واشنطن بـ”الشيخ الجاسوس”، والذي كان يدفع بقوة للحصول على شرائح الذكاء الاصطناعي الأمريكية المحمية والمقيدة بأشد القيود الأمنية.
المثير للجدل، كما تذكر الصحيفة، أن الإدارة الأمريكية بعد خمسة أشهر فقط من توقيع الصفقة، التزمت بمنح الإمارات إمكانية الوصول إلى نحو نصف مليون شريحة من أكثر شرائح الذكاء الاصطناعي تقدمًا في العالم.
وهو ما اعتبرته الصحيفة إنجازًا استراتيجيًا هائلًا للعائلة الحاكمة في أبوظبي، خاصة أن إدارة بايدن كانت قد فرضت قيودًا مشددة على تصدير هذه الشرائح للإمارات خشية تسرب التكنولوجيا إلى الصين.
خانا يلوّح: التحقيق سيشمل الإمارات
وأوضح خانا أنه ينوي توجيه أسئلة مباشرة إلى الإمارات ضمن مسار التحقيق، وأنه أبلغ بالفعل السفير الإماراتي لدى واشنطن بنيته ذلك، مؤكدًا أن التحقيق سيركز على:
“أنشطة تبدو فاسدة وتأثيرها على سياسات الحكومة الأمريكية المتعلقة بتنافسنا مع الصين.”
لكن خانا يواجه معضلة سياسية، إذ إن كونه عضوًا في الأقلية الديمقراطية يعني أنه لا يمتلك صلاحية الاستدعاء القسري للمستندات، وبالتالي يعتمد التحقيق على التعاون الطوعي أو الضغط السياسي والإعلامي.
ترامب وويتكوف: “لم نتدخل”… والبيت الأبيض يدافع
وقالت وورلد ليبرتي إن ترامب وستيف ويتكوف لم يشاركا في الصفقة، وإن الاتفاق لا يمنح أي طرف أجنبي القدرة على التأثير على القرار الحكومي أو السياسة الأمريكية.
كما نقلت الصحيفة أن البيت الأبيض أكد التزام ترامب وويتكوف بقواعد الأخلاقيات الحكومية.
وفي المقابل، قال شخص مطلع على الاستثمار الإماراتي إن الشيخ طحنون وعددًا محدودًا من المستثمرين المشاركين دعموا الصفقة، لكن الصفقة لم تُناقش مع ترامب.
الغضب يتسع: الديمقراطيون يتحدثون عن “بيع السياسة الأمريكية”
أثارت الصفقة غضبًا واسعًا في واشنطن، حيث أدان أكثر من عشرة نواب ديمقراطيين قرار عائلة ترامب قبول الاستثمار من مسؤول أجنبي.
وطالب النائب غريغوري ميكس (ديمقراطي من نيويورك) وزير الخزانة الأمريكي بيسنت بوقف أي محاولة لمنح وورلد ليبرتي رخصة مصرفية أمريكية حتى يتم استكمال مراجعات تضارب المصالح والتأثير الأجنبي وإبلاغ الكونغرس بنتائجها.
لكن رد بيسنت بأن مكتب مراقب العملة المشرف على تراخيص البنوك كيان مستقل، قبل أن تتحول الجلسة إلى مشادة كلامية حادة، حيث صرخ ميكس:
“توقف عن حماية الرئيس! توقف عن كونه تابعًا له!”
وفي تصعيد إضافي، أرسل أعضاء ديمقراطيون في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ رسالة يوم الثلاثاء انتقدوا فيها الاستثمار الإماراتي، معتبرين أنه دليل واضح على الفساد والمصالح الشخصية.
وكتب عشرة سيناتورات، بحسب الصحيفة:
“يجب على الكونغرس التأكد من أن السياسة الخارجية الأمريكية تُسترشد بمصالح وأمن الشعب الأمريكي – لا بمن هو مستعد لكتابة أكبر شيك.”
الأسئلة التي تلاحق الصفقة: هل اشترت أبوظبي النفوذ؟
وبينما تصر إدارة ترامب على أن الاتفاقية تجارية بحتة ولا علاقة لها بالقرار السياسي، يرى خصومه الديمقراطيون أن التوقيت وحده كافٍ لإثارة الشكوك، خصوصًا مع تزامن الصفقة مع منح الإمارات مكاسب استراتيجية تتعلق بشرائح الذكاء الاصطناعي.
ويعتبر مراقبون أن القضية لا تضع أبوظبي وحدها تحت المجهر، بل تفتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل تحولت واشنطن إلى سوق نفوذ يُباع فيه القرار مقابل الاستثمارات؟
وهل أصبح المال السيادي الخليجي جزءًا من معركة رسم السياسات الأمريكية في أخطر ملفات العالم: الصين، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا العسكرية؟
وبحسب وول ستريت جورنال، فإن التحقيق الجديد قد لا يمتلك قوة قانونية كاملة بسبب محدودية صلاحيات خانا، لكنه يملك قوة سياسية وإعلامية قادرة على إشعال فضيحة تتوسع مع كل وثيقة جديدة تُكشف، خصوصًا في عام انتخابي شديد الحساسية.
اقرأ أيضاً:












