وطن-يشهد العالم الطبي تحولًا متسارعًا مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال تشخيص أمراض خطيرة، أبرزها سرطان الثدي، الذي يُعد أكثر الأورام شيوعًا بين النساء. دراسة سريرية واسعة النطاق أجريت في السويد على أكثر من 106 آلاف امرأة، كشفت أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب خبرة الأطباء يمكن أن تحسن من دقّة الفحص المبكر وتُخفف من احتمال تفويت بعض الحالات.
نحو فحص أكثر دقة وكفاءة
لطالما كانت برامج الفحص الدوري وسيلة فعالة في إنقاذ الأرواح عبر الكشف المبكر، إلا أن طريقة التقييم التقليدية بالماموجرافيا لا تخلو من التحديات؛ فبينما قد تظهر أحيانًا نتائج إيجابية خاطئة، قد تمر في أحيان أخرى إصابات حقيقية دون اكتشافها في الوقت المناسب.
من هذا المنطلق، أطلق باحثون سويديون تجربة علمية هدفها تقييم قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم عمل اختصاصيي الأشعة. نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة ذا لانست العلمية في فبراير 2026، خلصت إلى أن التقنية الجديدة حسّنت الأداء العام للفحص من دون أن ترفع عدد الإنذارات الخاطئة. والأهم أنها قللت بنسبة 12% من ما يُعرف بـ “سرطانات الفاصل الزمني” — الحالات التي تُكتشف بين فحص وآخر لأنها لم تُرصد في الماموجرافيا السابقة.
تفاصيل التجربة
قُسّمت المشاركات إلى مجموعتين: الأولى خضعت للفحص التقليدي الذي يعتمد على قراءتين بشريتين مستقلتين لصورتين شعاعيتين، بينما اعتمدت المجموعة الثانية على قراءة واحدة مدعومة بنظام ذكاء اصطناعي. هذا النظام كان يقيّم الصور، ويصنّفها بين منخفضة الخطورة أو تستدعي مزيدًا من المتابعة، كما كان يحدد مناطق مثيرة للشك لتوجيه انتباه الطبيب إليها.
بعد عامين من المتابعة، أثبتت النتائج أن حساسية الفحص — أي القدرة على رصد المرض عند وجوده — ارتفعت إلى 80.5% مع دعم الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 73.8% في الأسلوب التقليدي. هذه الأرقام تشير إلى تحسن ملموس في الكشف المبكر الذي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمعدلات الشفاء العالية.
الذكاء الاصطناعي: أداة دعم لا بديل للخبرة الطبية
الاختصاصية كريستينا لانغ، الباحثة الرئيسة في الدراسة، شددت على أن دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي يجب أن يتم بحذر وتحت مراقبة دقيقة، مؤكدة أن التقنية “وُجدت لتساعد، لا لتحلّ محل الأطباء.” وأضافت زميلتها جيسي غومرز أن “القراءة البشرية تظل ضرورية لتأكيد النتائج وتقييم السياق الطبي لكل حالة.”
تجارب سابقة في سويسرا كانت قد دعمت هذه النتائج، إذ أظهرت زيادة بنسبة 29% في نسب الاكتشاف من دون ارتفاع ملحوظ في الحالات الإيجابية الكاذبة. كما سجلت دراسات تجريبية أخرى انخفاضًا يصل إلى 44% في عبء قراءة الصور على اختصاصيي الأشعة، ما يتيح لهم التركيز بشكل أكبر على الحالات المعقدة.
انعكاسات محتملة على برامج الفحص
في إسبانيا، يرى الدكتور إغناسيو ميرندا غوميث، رئيس وحدة التشخيص في مركز تيكنون الطبي ببرشلونة، أن هذه النتائج قد تمهد لتغيير بنيوي في برامج الكشف الدوري. فالتقنية الجديدة قد توفر فحوصًا أكثر دقة، وتتيح تخصيص وقت الأطباء للحالات التي تستحق اهتمامًا أكبر، ما يعني في النهاية تخفيف الضغط على الأنظمة الصحية وتقليل النفقات العلاجية على المدى الطويل.
وزارة الصحة الإسبانية توصي حاليًا النساء بين 50 و69 عامًا بإجراء ماموجرافيا كل عامين، إلى جانب تبني نمط حياة صحي كعامل وقاية رئيسي.
التحديات والاحتياطات
رغم التفاؤل الكبير بإمكانات الذكاء الاصطناعي، يدعو الخبراء إلى توخي الحذر. فالتطور السريع لهذه التقنيات لا يخلو من مخاطر، مثل فرط التشخيص أو الإفراط في اكتشاف أورام صغيرة قد لا تتطور إلى أمراض خطيرة. يشير عالم الوبائيات ستيفن دافي من جامعة “كوين ماري” في لندن إلى ضرورة إجراء مزيد من الدراسات للتحقق من دقة الخوارزميات قبل اعتمادها على نطاق واسع.
التجارب الموسّعة، كالدراسة الألمانية التي شملت نحو نصف مليون امرأة واستعانت بالذكاء الاصطناعي لدعم قراءتين بشريتين، أكدت الاتجاه نفسه، لكن العلماء يرون أن التعميم يجب أن يكون تدريجيًا ومدروسًا.
وعيٌ جديد لمستقبل أكثر أمانًا
إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطب لا يعني التخلي عن العنصر الإنساني، بل فتح نافذة جديدة لتعاونٍ مثمر بين العلم والتكنولوجيا والإنسان. ومع استمرار الجهود في الأبحاث والوقاية، يظل الكشف المبكر — سواء بمساعدة الخوارزميات أو بعيون الأطباء — حجر الزاوية في معركة النساء ضد سرطان الثدي، وأملًا حقيقيًا في حياة أطول وأصح.
قد يعجبك
السرطان لم يعد مرض كبار السن فقط.. دراسة تكشف الأسباب الصادمة وراء إصابة الشباب












