وطن – كشفت وكالة بلومبرغ في تقرير صادم تفاصيل جديدة عن العلاقة الطويلة والمريبة التي جمعت بين رئيس مجلس إدارة “موانئ دبي العالمية” والرئيس التنفيذي لها سلطان أحمد بن سليم، وبين الممول المدان بجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال جيفري إبستين، وهي علاقة لم تكن مجرد معرفة عابرة أو مراسلات مجاملة، بل امتدت لسنوات طويلة، واحتوت على رسائل حميمة وإيحاءات جنسية وصور إباحية، إلى جانب مساعٍ للتوسط في صفقات، وترتيب وظائف، وتنسيق لقاءات، بل وحتى البحث عن خدمات طبية داخل إسرائيل.
ووفق ما أكدته بلومبرغ، فإن بن سليم يُعد من بين أكثر الشخصيات نفوذًا ممن استمرت مراسلاتهم مع إبستين فترة طويلة، ليس فقط قبل سجن إبستين عام 2008، بل لأكثر من عقد كامل بعد إدانته رسميًا بجرائم تتعلق باستغلال قاصر في الدعارة.
مراسلات “ودية” لكنها فاضحة… بلومبرغ: العلاقة كانت استثنائية
تقول بلومبرغ إن رسائل البريد الإلكتروني التي نشرتها وزارة العدل الأميركية الشهر الماضي، إضافة إلى رسائل ومرفقات حصلت عليها الوكالة في الصيف الماضي، تكشف أن العلاقة بين الرجلين تجاوزت حدود المجاملة، ووصلت إلى مستوى من “الحميمية” والفظاظة والإثارة للجدل.
وفي واحدة من أخطر الرسائل التي أوردتها بلومبرغ، كتب سلطان بن سليم إلى إبستين في سبتمبر/أيلول 2015، متحدثًا عن طالبة تبادل أجنبي في إحدى جامعات دبي:
“لقد خُطبت، لكنها عادت إليّ الآن. إنها أفضل علاقة جنسية مارستها في حياتي، جسدها مذهل”.
بلومبرغ اعتبرت أن هذه اللغة الصريحة تُظهر طبيعة علاقة غير اعتيادية بين رجل أعمال عالمي يدير شبكة موانئ دولية، وبين شخص مدان رسميًا في جرائم جنسية.
صفقات ووساطات… شبكة أعمال وسياسة على خط إبستين
وبحسب بلومبرغ، فإن الرسائل تُظهر أن الرجلين تبادلا جهات اتصال في عالم السياسة والمال والأعمال، وحاولا التوسط في صفقات لبعضهما البعض، وكانا يتبادلان الحديث عن أسماء نافذة وشخصيات دولية.
وتقول بلومبرغ إن إبستين عمل سنوات طويلة على ربط بن سليم بشبكته من الأثرياء والسياسيين، ومن بين الأسماء التي ظهرت في الوثائق:
- المستثمر العقاري الأميركي أندرو فاركاس، الذي تشير وثائق وزارة العدل الأميركية إلى أنه ربما كان حلقة التعارف الأولى بين إبستين وبن سليم.
- رجل الأعمال توم بريتزكر، رئيس مجلس إدارة فنادق “حياة”، حيث حاول إبستين ترتيب لقاء بينه وبين بن سليم.
- الملياردير الأميركي ليزلي ويكسنر (فيكتوريا سيكريت سابقًا)، حيث حاول إبستين ترتيب صفقات أو علاقات عمل بينه وبين بن سليم.
- المصرفي جيس ستالي، المسؤول السابق في “جيه بي مورغان” ثم الرئيس التنفيذي لـ”باركليز”، والذي سقط لاحقًا في فضيحة بسبب إخفائه مدى علاقته بإبستين.
بلومبرغ تبرز هنا أن إبستين لم يكن مجرد منحرف جنسي، بل كان “سمسار شبكة” يجمع رجال المال بالسياسة، ويصنع خيوط النفوذ عبر العلاقات.
دبي العالمية وموانئ دبي… رجل دولة داخل اقتصاد إمارة
وتشير بلومبرغ إلى أن سلطان بن سليم لم يكن مجرد رئيس شركة، بل كان في فترة من الفترات يجمع بين دورين خطيرين:
- الإشراف على “موانئ دبي العالمية”
- رئاسة الشركة الأم “دبي العالمية”، التكتل المملوك للدولة
أي أنه كان فعليًا مسؤولًا عن إمبراطورية اقتصادية ضخمة تمتد من العقارات إلى الخدمات المالية، قبل أن يتنحى عن منصبه في “دبي العالمية” عام 2010 بعد أزمة دبي المالية.
صور عاريات ورسائل “عيد الميلاد”… وبلومبرغ توثق
من أكثر ما ورد في تقرير بلومبرغ إثارة للجدل، ما كشفته الرسائل عن تبادل صور ورسائل جنسية صريحة.
فقد أوردت بلومبرغ أن بن سليم أرسل لإبستين صورًا لنساء عاريات، ونكاتًا جنسية، ورسائل تحمل إيحاءات فاضحة.
ومن بين تلك الرسائل رسالة بعنوان “merrychristmas.jpg” عشية عيد الميلاد 2007، كانت تتضمن صورة لعشر نساء عاريات الصدر على شاطئ، مع تعليق ساخر.
كما أرسل بن سليم صورة أخرى ليلة رأس السنة تُظهر امرأة عارية من الخلف، وكتبت أرقام “2008” على جسدها بطريقة إيحائية.
بلومبرغ تؤكد أن هذه الرسائل موجودة ضمن أرشيف البريد الإلكتروني الذي تم التحقق منه.
“أنا أريد المتعة”… نموذج فاضح لعقلية الرسائل
ومن أخطر المقاطع التي نقلتها بلومبرغ، سلسلة رسائل في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، تحدث فيها بن سليم عن لقاء مع عارضة أزياء في نيويورك، قائلاً إنه بعد محاولات طويلة تمكن من اللقاء، لكنه فوجئ بأنها تريد عملاً بينما هو يريد شيئًا آخر، فكتب:
“هناك سوء فهم… هي تريد عملاً، بينما أنا أريد فقط بعض المتعة!”
فيرد إبستين بحسب الوثائق:
“الحمد لله ما زال هناك أمثالك”.
بلومبرغ ترى أن هذا النوع من اللغة لا يترك مجالًا للشك في طبيعة العلاقة وطريقة التفكير التي كانت تحكمها.
زيارات جزيرة إبستين… والتخطيط للذهاب إلى “ليتل سانت جيمس”
يؤكد تقرير بلومبرغ أن الرسائل تكشف محاولات متكررة من بن سليم لزيارة جزيرة إبستين الخاصة في الكاريبي “ليتل سانت جيمس”، وهي الجزيرة التي اتُّهم إبستين لاحقًا باستخدامها كمركز للاتجار الجنسي.
وتظهر رسائل عديدة أن بن سليم كان يسأل عن إمكانية زيارة الجزيرة، ويطلب التنسيق، بل ويبحث عن ترتيب جدول سفره حول ذلك.
كما كشفت وثائق وزارة العدل الأميركية عن صور تجمع الرجلين معًا في الجزيرة، إضافة إلى قرص مدمج صادرته السلطات بعنوان:
“عيد الميلاد في ليتل سانت جيمس 2005 – سلطان”
ويحتوي على عشرات الصور لبن سليم.
جزيرة “غريت سانت جيمس”… اسم سلطان بن سليم في صفقة غامضة
بلومبرغ أعادت تسليط الضوء على ملف بالغ الحساسية: شراء جزيرة “غريت سانت جيمس” عام 2016 عبر شركة مسجلة في جزر العذراء، حيث سُجل اسم بن سليم باعتباره “المالك المستفيد”.
وتوضح بلومبرغ أن ملكية إبستين للجزيرة لم تُكشف إلا لاحقًا عندما ظهر اسمه في تراخيص استخدام الأراضي باعتباره العضو الوحيد في الشركة.
ورغم أن مساعدًا لبن سليم قال سابقًا إن إبستين طلب استخدام اسمه في صفقة تجارية وتم رفض الطلب، إلا أن بلومبرغ تؤكد أن الرسائل تشير إلى أن بن سليم كان على علم بملكية إبستين للجزيرتين بحلول أواخر 2016.
منتجع خاص… وإبستين يريد تحويل الجزر إلى مشروع “نخبة”
وتورد بلومبرغ أن بن سليم كتب لمهندس مشروع “نخلة جميرا” في دبي معرفًا إبستين بأنه:
“صديق عزيز وشريك تجاري يمتلك جزيرتين خلابتين في جزر العذراء… ويرغب في تطوير منتجع خاص له ولعملائه وأصدقائه فقط”.
بلومبرغ اعتبرت أن هذا السطر وحده يكفي لفتح أبواب أسئلة مرعبة:
كيف يمكن لرجل يدير أحد أكبر كيانات دبي أن يصف إبستين – المدان جنسيًا – بأنه “صديق عزيز وشريك تجاري”؟
علاج في إسرائيل… وإيهود باراك في قلب الرسائل
ومن أخطر ما ورد في تقرير بلومبرغ أن الرسائل تكشف تعارفًا بين بن سليم ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عبر إبستين.
بلومبرغ نقلت أن رسالة إلكترونية في يونيو 2015 تضمنت جملة مقتضبة:
“إيهود – سلطان. سلطان – إيهود”.
وذكر متحدث باسم مكتب باراك أن التعارف جاء ضمن محاولة باراك تقديم مساعدة طبية لأحد أفراد عائلة بن سليم داخل إسرائيل.
وهنا تظهر نقطة شديدة الحساسية سياسيًا:
تقرير بلومبرغ لا يتحدث عن مجرد علاقات شخصية، بل يربط بين شبكات المال والنفوذ والملفات الأمنية والتنسيق الطبي داخل إسرائيل.
توظيف روسيات… ووظائف عبر “إبستين” في دبي
تقول بلومبرغ إن إبستين لم يكن فقط وسيط علاقات، بل كان يتدخل أيضًا لترتيب وظائف لأشخاص داخل شركات بن سليم، بعضها في الفنادق.
ففي يناير 2017 طلب إبستين من بن سليم وظيفة لشخص في “موانئ دبي العالمية”، ورد بن سليم بأنه قد يتم تدريبه في مجال الخدمات اللوجستية.
وفي أغسطس 2017 أرسل إبستين سيرة ذاتية لشابة روسية بلا خبرة، وسأل إن كان بالإمكان توظيفها في فندق بدبي، فقام بن سليم بتحويل الرسالة إلى مدير فندق فاخر، وكتب له:
“إذا كنت بحاجة لمزيد من المعلومات تواصل مع جيفري”.
كما حاول بن سليم ترتيب وظيفة لروسية أخرى في منتجع فاخر بتركيا، وعرّفها بأنها “مدلكة شخصية” لصديقهم إبستين.
اختبارات DNA… وطلب غريب: 30 طقم أنساب
بلومبرغ كشفت أيضًا عن مراسلات معقدة وغريبة حول طلب بن سليم شحن 30 مجموعة اختبار أنساب DNA إلى دبي عبر منزل إبستين في مانهاتن، في محاولة لتجاوز القيود، وهو ما تسبب بمشاكل مع شركة 23andMe التي رفضت الطلب بسبب العدد الكبير وبسبب مشاكل الدفع من دبي.
وفي إحدى الرسائل التي نشرتها وزارة العدل الأميركية، اقترح إبستين استخدام اسم مستعار للطلب:
“أرسلوا طقم 23andMe باسم راشد إبستين”.
هذه التفاصيل أثارت أسئلة واسعة حول الغاية من هذه الاختبارات، ولمن كانت تُرسل، ولماذا تم السعي للحصول عليها بهذه الطريقة.
ترامب وبانون… دبي وإبستين في دوائر السياسة الأمريكية
بحسب بلومبرغ، فإن الرسائل تظهر أن بن سليم كان حاضرًا في محيط السياسة الأميركية، وأنه حضر حفل تنصيب ترامب عام 2017.
كما تكشف الوثائق أن بن سليم ناقش إمكانية لقاء ستيف بانون في الإمارات، وعرض عليه استقباله بطائرة هليكوبتر، وجولة فوق دبي، ثم اجتماع لعرض “آخر مستجدات واشنطن” وطلب النصيحة.
بلومبرغ تشير إلى أن إبستين نفسه كان يقول لبن سليم عن بانون:
“لقد أصبحنا أصدقاء… ستعجبك شخصيته”.
بلومبرغ: اختبارات دقيقة تؤكد صحة الرسائل
وفي خطوة دفاعية مهمة، أكدت بلومبرغ أنها أجرت سلسلة اختبارات على مجموعة الرسائل التي حصلت عليها في الصيف الماضي، تضمنت:
- التحقق من بيانات وصفية وعناوين الرسائل
- مطابقة معلومات بأدلة مستقلة
- التأكد من عدم وجود تناقضات تشير إلى تزوير
وخلصت بلومبرغ إلى أن الرسائل تبدو “صحيحة بدرجة عالية”، وأن التحقيق لم يظهر مؤشرات واضحة على التلاعب.
الخلاصة: فضيحة ليست مراسلات… بل شبكة كاملة
وفق ما نشرته بلومبرغ، فإن قضية سلطان بن سليم مع جيفري إبستين ليست مجرد رسائل خاصة، بل صورة كاملة لشبكة نفوذ تجمع:
- المال
- الجنس
- العلاقات السياسية
- وساطات الأعمال
- توظيف النساء
- جزر خاصة
- مشاريع منتجعات
- وتقاطعات مع إسرائيل وأميركا
بلومبرغ توضح أن ما ظهر حتى الآن ليس إلا جزءًا من أرشيف ضخم، وأن التفاصيل التي خرجت إلى العلن أعادت طرح السؤال الأخطر:
كيف ظلّ رجل يدير إمبراطورية “موانئ دبي العالمية” يراسل إبستين بهذه اللغة، ويطلب خدماته، ويتبادل معه الصور والإيحاءات، ويخطط لزيارات جزيرته… بعد أن أصبح إبستين مدانًا رسميًا؟
السؤال الذي يزداد ضغطًا الآن:
هل كانت هذه علاقة فرد… أم أسلوب دولة؟
اقرأ أيضاً:












