وطن-على الرغم من مرور أعوام على وفاة رجل الأعمال الغامض جيفري إبستين، فإن ظلال قضيته لا تزال تلاحق أوساط السياسة والمال في الولايات المتحدة، بعد أن كشفت وثائق جديدة لوزارة العدل عن صلاتٍ مباشرة أو غير مباشرة تربط عدداً من كبار المسؤولين الحاليين والسابقين في إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلى جانب شخصيات بارزة من إدارات ديمقراطية سابقة، بإبستين وشبكته المثيرة للجدل.
وثائق ضخمة تعيد فتح الملف
أحدث الموجة الجديدة من الجدل جاءت عقب مراجعة آلاف الوثائق من بين أكثر من ثلاثة ملايين ملف أفرجت عنها وزارة العدل، وأظهرت وجود تواصل بدرجات متفاوتة بين إبستين وعدد من الشخصيات السياسية والإدارية، بعضها في مناصب حكومية عليا حالياً. وتراوحت طبيعة هذه الصلات بين مراسلات إلكترونية محدودة واجتماعات أو زيارات متكررة على مدى سنوات.
الرئيس الأسبق دونالد ترامب ورد اسمه آلاف المرات في الوثائق، نظراً لعلاقة طويلة ربطته بإبستين قبل أن يعلن في منتصف العقد الأول من الألفية أنه “قطع علاقته به لأنه كان شخصاً سيئ الطباع”، نافياً ارتكابه أي مخالفة أو تورطه في أنشطة إبستين.
تباينات في المواقف وردود غامضة
مساء الأربعاء، وأثناء جلسة رقابية في الكونغرس، واجهت النائبة الديمقراطية بِيكا بالِنت المدعية العامة بام بوندي بأسئلة حول ما إذا كان أي من المسؤولين الحاليين تمت مساءلتهم بشأن علاقاتهم بإبستين، إلا أن بوندي امتنعت عن الإجابة قائلةً إنها فوجئت باستمرار الحديث عن الرجل. وفي اليوم التالي، أشاد ترامب عبر منصته بتصريحات بوندي، مؤكداً أن الوثائق “تبرئه بالكامل”، على حد تعبيره.
صلات تتجاوز الخطوط الحزبية
ليست إدارة ترامب وحدها التي وردت أسماؤها في الملف؛ إذ تضم الوثائق أيضاً إشارات إلى شخصيات من إدارات ديمقراطية سابقة، بينها الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزير الخزانة في عهده لاري سامرز، بالإضافة إلى مستشارة البيت الأبيض السابقة في عهد باراك أوباما، كاثي روملر.
أعلنت روملر، استقالتها من منصبها كمستشارة قانونية أولى في بنك “غولدمان ساكس” بعد الكشف عن مراسلات واسعة بينها وبين إبستين، مؤكدة أنها عرفته فقط ضمن إطار عملها كمحامية دفاع، وأنها تشعر بالندم لارتباط اسمها به.
أما سامرز، فقد أعلن في نوفمبر الماضي تعليق نشاطه الأكاديمي والعام بعد نشر رسائل إلكترونية أظهرت تواصله مع إبستين حتى عام 2019، معرباً عن “خجله العميق” من تلك العلاقة، فيما نفى كلينتون أي معرفة بأنشطة إبستين غير القانونية، مؤكداً أنه أنهى علاقته به عام 2006.
مسؤولون حاليون في دائرة الضوء
الوثائق تضمنت أسماء مسؤولين في الإدارة الجمهورية السابقة والحالية، بينهم:
-
محمد أوز، مدير مراكز خدمات الرعاية الطبية والرعاية المشتركة: إذ أظهرت رسالة إلكترونية عام 2016 أنه وجّه لإبستين دعوة إلى حفلة “عيد الحب” في منزله بفلوريدا، من دون أن يُعرف ما إذا حضر إبستين المناسبة. ولم يصدر تعليق رسمي من المؤسسة حول الواقعة.
-
ستيفن فاينبرغ، نائب وزير الدفاع الأمريكي: ورد اسمه في وثائق تجارية تتعلق بشركته الاستثمارية “سيربيروس كابيتال مانجمنت”، والتي تعاملت خلال سنوات مع “دويتشه بنك”، أحد المصارف المرتبطة بأنشطة إبستين. غير أن طبيعة العلاقة بين فاينبرغ وإبستين لم تتضح بعد.
-
روبرت إف. كينيدي الابن، وزير الصحة والخدمات الإنسانية: يظهر اسمه في سجلات رحلات إبستين وفي مراسلات بين الأخير وشريكته غيسلين ماكسويل، تشير إلى مشاركته في رحلة لمطاردة الأحافير في تسعينيات القرن الماضي. كينيدي أقر في مقابلات سابقة بأنه ركب طائرة إبستين مرتين نحو وجهات عائلية، مؤكداً أنه لم يكن على علم بأي أفعال غير قانونية.
-
هوارد لوتنيك، وزير التجارة: اعترف خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ بأنه زار جزيرة إبستين عام 2012 مع أسرته، نافياً وجود أي سلوك “مشبوه” خلال الزيارة، وأوضح أنه قضى ساعة واحدة فقط هناك لتناول الغداء.
-
جون فيلان، وزير البحرية: ورد اسمه في سجل رحلة لطائرة إبستين عام 2006، عندما كان يعمل في شركة استثمارية خاصة تابعة للملياردير مايكل دِل. وزارة البحرية لم تعلق على المعلومات.
-
كيفن وورش، مرشح ترامب لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: ظهر اسمه في رسالة بريدية عام 2010 تتعلق بقائمة ضيوف عطلة في جزيرة سانت بارتس، دون أن تتوفر أدلة على حضوره الفعلي.
-
إيلون ماسك، الرئيس السابق لهيئة كفاءة الحكومة: كشفت الرسائل عن تواصل ودي متكرر بينه وبين إبستين عامي 2012 و2013، إلا أن ماسك نفى في وقت لاحق أنه زار الجزيرة أو حضر حفلات إبستين، مشيراً عبر حسابه إلى أنه كان يتوقع “حملات تشويه رغم عدم ارتكابه خطأ”.
-
ستيف بانون، كبير مستشاري البيت الأبيض السابق: أظهرت الرسائل تبادلاً مكثفاً بينه وبين إبستين خلال عامي 2018 و2019، تحدثا خلالها عن مشروع فيلم وثائقي حول إبستين، كما عرض بانون في إحدى الرسائل مساعدته في “إعادة بناء صورة” الأخير.
خلفية قانونية
يُذكر أن المدعي العام الأمريكي أليكس أكوستا، الذي شغل لاحقاً منصب وزير العمل في إدارة ترامب، كان المسؤول عن أول تحقيق اتحادي ضد إبستين عام 2008 حين كان مدعياً عاماً في فلوريدا، وأبرم آنذاك اتفاقاً قضائياً سمح لإبستين بالاعتراف بتهم مخففة دون قضاء عقوبة طويلة، وهو القرار الذي أثار لاحقاً انتقادات حادة.
ورغم الزوبعة السياسية والإعلامية، أكدت مذكرة مشتركة صادرة عن وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي العام الماضي أنه لا توجد “قائمة عملاء” كما يُشاع، وأنه لم تُثبت أي أدلة تستدعي فتح تحقيقات جديدة بحق شخصيات سياسية أو عامة.
نهاية مفتوحة لملف لا يُطوى
مع أن أي شخصية سياسية بارزة لم تُتهم رسمياً في إطار جرائم إبستين، فإن الوثائق الجديدة أعادت إشعال التساؤلات حول تأثير الرجل وشبكته في دوائر القوة، ومدى اتساع نطاق علاقاته التي امتدت عبر الإدارات والأحزاب.
ووسط الجدل، يبقى الدرس الأهم الذي تعلنه القضية هو ضرورة الشفافية والمساءلة في مواجهة نفوذ المال والسلطة، لأن العدالة لا تستقيم إلا حين تُكشف الحدود الفاصلة بين العلاقات الاجتماعية المشروعة وتلك التي تخفي خلفها منظومات استغلال وتعسّف، مهما كانت أسماء المتورطين.
اقرأ المزيد
فضيحة وثائق جيفري إبستين تشعل الجدل في أمريكا بعد تنقيحات غامضة تكشفها CNN












