وطن-يشهد المشهد الإقليمي تصاعداً حاداً في التوترات السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بينما تحاول مساعٍ دبلوماسية غير مباشرة تجنّب مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار المنطقة بأسرها. في وقتٍ تتزايد فيه التحركات العسكرية والتصريحات المتبادلة، تبرز مفاوضات سرّية تُجرى قرب جنيف كآخر محاولة لنزع فتيل الأزمة.
مشهد متأزم ومخاوف من التصعيد
بدأت محادثات جديدة بين وفدي إيران والولايات المتحدة تناقش البرنامج النووي الإيراني، بوساطة سلطنة عمان التي لعبت دوراً رئيسياً في تسهيل التواصل بين الطرفين. وتُعقد اللقاءات في أجواء من السرية القصوى، حيث تولّت الشرطة الدبلوماسية تأمين المقر الذي يستضيف الوفود، بحسب ما أفادت به تقارير إعلامية.
في المقابل، يأتي هذا الحراك الدبلوماسي في ظل تصعيد عسكري متسارع من جانب واشنطن، إذ أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإرسال حاملة الطائرات “جيرالد آر فورد”، وهي الأكبر في العالم، إلى مياه الشرق الأوسط، لتعزيز الوجود العسكري الأميركي بعد أسابيع من تصريحات حادة ضد طهران. وتعد هذه الخطوة الثانية من نوعها خلال عام واحد، بعدما سبقتها عمليات مماثلة قبل هجمات العام الماضي.
رد إيراني وتحذيرات من طهران
من جهته، حذّر المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي خلال خطاب ألقاه في طهران في 17 فبراير/شباط 2026، من محاولة الولايات المتحدة تقويض النظام الإيراني، مشدداً على أن بلاده “صمدت طوال 47 عاماً أمام الضغوط ولن تُدمّر”. وجاءت كلماته عقب مناورات واسعة نفذها الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز، تضمنت اختبار طائرات مسيرة وصواريخ وحركات بحرية، في استعراض واضح للقدرات الدفاعية الإيرانية.
خلفيات سياسية واستقطاب إقليمي
جاءت التحركات الأخيرة في واشنطن، بعد لقاء بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي حثّ الإدارة الأميركية على تبنّي موقف أكثر تشدداً تجاه طهران. ووفق تصريحات لمسؤول أميركي، فقد نصح نتنياهو الرئيس الأميركي بعدم الانخداع بما وصفه بـ”تكتيكات المماطلة الإيرانية”، وهو ما ترك أثراً ملموساً على موقف البيت الأبيض في الأيام التالية.
خطوط التفاوض الهشة
على الرغم من لغة التهديد المتبادلة، فإن الجانبين الأميركي والإيراني قد شرعا فعلاً في جولة أولية من المحادثات غير المباشرة برعاية عمان، دون التوصل إلى نتائج حاسمة. وتمسكت طهران بموقفها الرافض لوقف تخصيب اليورانيوم، لكنها في الوقت نفسه أبدت استعدادها لمواصلة الحوار.
ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سويسرا في بداية الأسبوع، حيث التقى نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي، لعرض ما وصفته الحكومة الإيرانية بـ”وجهات نظر وملاحظات تتعلق بالملف النووي ومسألة رفع العقوبات”.
الموقف الإسرائيلي وتداعيات الأزمة
تواصل إسرائيل اتهام طهران بالسعي لامتلاك قدرات نووية عسكرية، على الرغم من امتلاكها – وفق تقديرات دولية واسعة – لترسانة نووية خاصة بها. أما إيران، فترى أن برنامجها النووي حق غير قابل للتنازل، وتؤكد أنه مكرّس لأغراض مدنية، انسجاماً مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT).
بين التحذير والانفتاح
واصل الرئيس الأميركي، إطلاق التحذيرات بعد أحداث داخلية شهدتها إيران في يناير/كانون الثاني، عندما قمعت السلطات احتجاجات واسعة. ومع تمسّكه بالتصعيد، أبقى في الوقت نفسه الباب مفتوحاً أمام التسوية الدبلوماسية، لكنههدّد طهران بعواقب “مؤلمة” إذا فشلت الجهود الجارية، ملمحاً إلى احتمال السعي لتغيير النظام.
أما العراقجي، فشدّد عبر منشور على منصة “إكس” على أن “الرضوخ للتهديدات ليس مطروحاً للنقاش”، مؤكداً وجوده في سويسرا “بأفكار واقعية لتأسيس اتفاق عادل ومتوازن”.
بين التحركات العسكرية والتصريحات المتبادلة، تظل نافذة الحل الدبلوماسي مفتوحة على أمل تجنب مواجهة قد تجرّ المنطقة إلى صراعات جديدة. ومع أن لغة التحدي لا تزال تطغى على المواقف، فإن القنوات الخلفية بين طهران وواشنطن قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول الأزمة النووية إلى صدام لا عودة منه.
اقرأ أيضاً
ترامب يهدد إيران بخيار عسكري وواشنطن تستعد لدعم ضربة إسرائيلية محتملة












