وطن-في وقتٍ لطالما افتخرت فيه النرويج بدورها كوسيط دولي محايد في جهود السلام، خاصة بعد توقيع اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، جاءت تسريبات جديدة لتعيد طرح أسئلة صعبة حول تلك الصورة التي بنتها المملكة على مدى عقود.
فقد كشفت ملايين الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، والمحفوظة سابقًا تحت طيّ السرية، عن مدى اتساع شبكة العلاقات التي كان يديرها الملياردير الأمريكي الراحل والمدان بقضايا اعتداء جنسي جيفري إبستين. وبين الأسماء التي ظهرت في تلك الملفات، ورد اسم الدبلوماسية النرويجية البارزة مونا يول وزوجها تِرْيِه رود-لارسن، اللذين أدّيا دورًا محوريًا في التوسط لاتفاق أوسلو.
صورة الحياد تحت المجهر
هذه العلاقات المزعومة، التي تمتد إلى إبستين وصديقه المقرب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، دفعت محللين وسياسيين في أوسلو للمطالبة بإعادة تقييم “أسطورة الحياد” التي ارتبطت بالدور النرويجي. ويرى بعض النواب، من بينهم بيورنار موكسنيس، العضو السابق في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالبرلمان، أن ما سُمّي بـ”صانعي السلام” ربما قدموا صورة وردية مزيّفة لمسار التفاوض. وقال موكسنيس إن على بلاده التحقيق في دورها التاريخي في الاتفاق، مؤكدًا أن “النرويج لم تكن وسيطًا محايدًا كما روّجت لنفسها”.
ملفات مفقودة منذ ثلاثة عقود
إلى جانب هذه الاتهامات، تجددت الأنظار نحو وثائق مفقودة من أرشيف وزارة الخارجية النرويجية تتعلّق بمفاوضات أوسلو، لم يُعثر عليها منذ أكثر من 33 عامًا. وتطالب قوى سياسية، من بينها حزب اليسار الأحمر، الزوجين بتسليم أرشيفهما الشخصي المرتبط بتلك المرحلة الحساسة.
أوضحت الأستاذة هيلده هنريكسن واغِه، المتخصصة بتاريخ اتفاق أوسلو من جامعة أوسلو، أنها اكتشفت خلال إعدادها دراسة أكاديمية عام 2004 غياب مئات الوثائق من الأرشيف الرسمي ضدًا للمعايير المعتمدة. وكشفت أن مسؤولين في الخارجية – ومن ضمنهم مونا يول عندما كانت نائبة للوزير عام 2000 – طلبوا منها آنذاك وقف أبحاثها “حفاظًا على صورة النرويج كأمة سلام”.
وأضافت واغِه في تصريحات صحفية أن “اتفاق أوسلو أُبرم وفق الشروط الإسرائيلية، بينما أدارت النرويج الدور القائم على خدمة الطرف الأقوى”. وتعتبر الباحثة أن هذا الواقع “يضرب أساس الرواية التي روّجت للنرويج كوسيط نزيه”، مؤكدة أن المفاوضين النرويجيين كانوا يطلعون الجانب الإسرائيلي مسبقًا وبعد كل جولة على مواقف منظمة التحرير الفلسطينية.
تهم بالفساد وتضارب المصالح
في موازاة الجدل السياسي، تقدمت السلطات القضائية النرويجية خطوة أخرى الأسبوع الماضي بإعلان توجيه تهم بالفساد لمونا يول وبتهمة التواطؤ لزوجها رود-لارسن. وأوضح رئيس هيئة التحقيق في الجرائم الاقتصادية والبيئية بال لونسِث أن التحقيق يركّز على ما إذا كانت يول قد تلقت منافع مالية مرتبطة بمنصبها الدبلوماسي.
وفق ما ورد في الوثائق الأمريكية، حصل الزوجان عام 2018 على شقة في أوسلو بسعر أقل كثيرًا من قيمتها السوقية، ويظهر في مراسلات بريدية أن إبستين تدخل شخصيًا للضغط على المالك لقبول الصفقة. ونُقل عنه قوله للبائع: “سيكون الأمر مزعجًا إن تراجعت عن البيع بهذا السعر”. كما تتضمن وصية إبستين بندًا يضع الطفلين الأصغر للزوجين ضمن قائمة المستفيدين بإجمالي عشرة ملايين دولار.
محامو يول ورود-لارسن نفوا التهم مؤكدين أن “موكليهما واثقان من براءتهما ويتعاونان بشكل كامل مع التحقيقات”.
علاقات متشابكة من نيويورك إلى القاهرة
يُذكر أن رود-لارسن استقال عام 2020 من منصبه مديرًا لمعهد السلام الدولي في نيويورك بعد الكشف عن تلقيه تبرعات وقروضًا شخصية من إبستين. وتشير مراسلات عام 2017 إلى أن رود-لارسن وصف إبستين بـ”أفضل أصدقائه” وأعرب عن “تقديره الكبير لكل ما فعله من أجله”. كما أظهرت تقارير إعلامية أنه ساعد نساء روسيات كن ضمن دائرة إبستين على الحصول على تأشيرات بحثية في الولايات المتحدة من خلال خطابات توصية رسمية. وأكدت إحدى الضحايا للتلفزيون النرويجي أن رود-لارسن سهّل حصولها على التأشيرة بطلب مباشر من مساعد إبستين.
الرواية المفقودة والسلام الغائب
يرى منتقدو النهج الدبلوماسي النرويجي أن اتفاق أوسلو، الذي صُوّر لعقود كإنجاز وطني، تحوّل في الواقع إلى “كارثة سياسية وإنسانية” للفلسطينيين مع استمرار الاستيطان وسقوط عشرات آلاف الضحايا في غزة والضفة الغربية. ويصف موكسنيس أن الوثائق المفقودة “قد تبرهن أن الوسطاء النرويجيين نقلوا رسائل نيابةً عن إسرائيل، وهو ما قد يقوّض الرواية الرسمية برمتها”.
ويطالب الحزب الأحمر حكومة بلاده بإقرار قانون يُلزم بالكشف الكامل عن تلك الوثائق، مؤكدًا أن “الحقيقة الكاملة ضرورية للفلسطينيين، خاصة أن اسم أوسلو أصبح يرتبط لديهم اليوم بالخذلان لا بالسلام”.
دعوات للمساءلة وضغط على إسرائيل
في ضوء هذه التطورات، يدعو النائب موكسنيس إلى أن تغيّر أوسلو سياستها الخارجية تجاه تل أبيب من الوساطة إلى الضغط عبر “المقاطعة والعقوبات الاقتصادية”، معتبرًا أن “الدبلوماسية التقليدية استنفدت أغراضها في ظل استمرار الاستيطان والحرب التي تتخذ شكلًا إباديًا”.
تضع هذه القضية النرويج أمام اختبار صعب بين إرثها كـ”دولة سلام” وبين ما تكشفه التحقيقات من علاقات ومصالح متشابكة. وبينما تتواصل التحقيقات القضائية وتتوالى الدعوات للشفافية، يبقى السؤال الأهم: هل تُعيد النرويج مراجعة سرديتها الدبلوماسية لتصون ما تبقّى من مصداقيتها على الساحة الدولية؟
اقرأ أيضاً
حقيقة “التسريب الدولي”.. هل أرسلت واشنطن ملفات إبستين “غير المحجوبة” لدول أخرى؟
خطأ بايدن التاريخي.. لماذا كان عليه كشف “صندوق إبستين الأسود” للعلن؟












