وطن-في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال الذكاء الاصطناعي، تتزايد الأسئلة حول تأثير هذه التقنية في طريقة التعلم والعمل، بل وحتى في تشكيل سلوك الأفراد. الملياردير الأميركي مارك كوبان، أحد أبرز المستثمرين في وادي السيليكون، أثار مؤخرًا جدلاً لافتًا بعد أن قدّم تصنيفًا حادًا لمستخدمي نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) بين من يتعلّمون بواسطتها، ومن يتخلّون عن التعلم بفضلها.
بين التعلم والتقاعس
يرى كوبان أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي ينقسمون إلى فئتين واضحتين: فئة توظّف النماذج اللغوية كأداة توسّع مداركها وتعمّق فهمها، وأخرى تستخدمها لتجنّب الجهد العقلي المطلوب في التعلم. وكتب عبر منصة “إكس” أن التقنية ليست في ذاتها مشكلة، بل في الطريقة التي يختار الناس التعامل بها معها.
الذكاء الاصطناعي… بين ضرورة التبني وحدود الكمال
لطالما شجّع كوبان الشركات على تبنّي الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرًا حاسمًا في البقاء التنافسي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن التقنية ليست مثالية، ولا يمكن الوثوق بها كليًا. فهو يرى أن المستقبل سيشهد نوعين من الشركات: شركات تجيد التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وأخرى “البقية”، في إشارة إلى أن النجاح الاقتصادي سيتحدد بمدى قدرة المؤسسات على تسخير هذه التقنية. ومع ذلك، يصف كوبان النماذج الذكية بأنها “غبية” من الناحية الإنسانية، رغم امتلاكها قدرة هائلة على التذكّر، أشبه بعبقري يحفظ كل شيء دون أن يفهم السياق.
تأييد وتحذير من داخل وادي السيليكون
رجل الأعمال بيل غورلي، الشريك في شركة رأس المال المغامر “Benchmark”، أيّد كوبان بنسبة مئة في المئة، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون “وقودًا نفاثًا” لمن يسلك طريقًا مهنيًا مميزًا، إذ يمنحه سرعة تعلم غير مسبوقة وقدرة على الإبداع والتفرّد. غير أن غورلي، مثل غيره من المتخصصين، يقرّ بأن الوجه الآخر للتقنية قد يدفع البعض إلى الاعتماد الكامل عليها، وبالتالي إلى التراجع في مهاراتهم المعرفية.
خطر “الكسل المعرفي”
هذا القلق لم يعد مقتصرًا على المنتقدين. حتى المدافعين عن الذكاء الاصطناعي يحذّرون من أثره السلبي المحتمل على القدرات البشرية. آرثر منش، الرئيس التنفيذي لشركة Mistral AI، حذّر العام الماضي من أن الخطر الأكبر يكمن في ما أسماه “فقدان المهارة” أو deskilling، أي انحدار مستوى الكفاءة بسبب الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي. وأوضح في تصريح لصحيفة ذا تايمز البريطانية أن “التعلم الحقيقي يتطلب من الإنسان أن يواصل التفكير والنقد والتحليل”، مشيرًا إلى أن مهارتي التركيب والنقد هما أساس عملية التعلم المستمر.
ما بين التحفيز والاتكل
يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في الكيفية التي نقرر بها استخدامه. فبينما يراه البعض فرصة لتسريع النمو والإبداع، يخشاه آخرون لأنه قد يرسّخ ثقافة الاتكال ويضعف حسّ الفضول المعرفي.
وفي ختام هذه الرؤية الجدلية، تتأكد حقيقة واحدة: أن الذكاء الاصطناعي، شأنه شأن أي ابتكار ثوري، يمكن أن يكون معلمًا بارعًا أو سببًا في خمول ذهني، تبعًا للطريقة التي نتعامل بها معه. فالتوازن بين الاستفادة من قدراته والحفاظ على مهارة التعلم الذاتي قد يكون هو مفتاح التقدم الإنساني في العصر الرقمي.
اقرأ المزيد
ثورة في عالم الطب: الذكاء الاصطناعي يتفوق على الأطباء في رصد مرض سرطان الثدي المبكر
كيف يحول الذكاء الاصطناعي الشركات الناشئة إلى إمبراطوريات؟ أسرار رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف












