وطن-على الرغم من أن الأجواء الدولية تشهد توتراً متزايداً في الشرق الأوسط، فإن الحديث عن احتمال شنّ الولايات المتحدة حرباً جديدة ضد إيران بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الصارم للرئيس الأميركي دونالد ترامب وتنامي نفوذ اللوبي الإسرائيلي في دوائر القرار بواشنطن. مشهد سياسي معقد تتداخل فيه المصالح الشخصية، والهواجس الأمنية، والحسابات الانتخابية، لتشكّل جميعها خلفية لاحتمال مواجهة قد تفتح باباً جديداً من عدم الاستقرار في المنطقة.
ارتباك في الخطاب الأميركي
في خطابه أمام الكونغرس في فبراير/شباط 2026، تفاخر ترامب قائلاً إن بلاده «دمرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل» في يونيو/حزيران الماضي، ثم عاد ليحذر من أن طهران تستعد لاستئنافه من جديد. المفارقة، كما يراها خبراء، أن إدارة ترامب تناقض نفسها: فهي تحتفي بإنجاز عسكري، وفي الوقت ذاته تبرر حرباً جديدة بحجة التهديد ذاته الذي تقول إنها قضت عليه.
أوضح الباحث الإيراني سينا أزودي من جامعة جورج واشنطن، أن هذين الادعاءين لا يمكن أن يكونا صحيحين في آنٍ واحد. فإما أن واشنطن أوقفت فعلاً البرنامج النووي الإيراني، أو أن الأخيرة ما زالت تمثل خطراً وشيكاً على الأمن الأميركي، لكن الجمع بين الأمرين مستحيل.
ضبابية حول نتائج الضربة
العملية التي أطلقت عليها واشنطن اسم «مطرقة منتصف الليل» شملت قصف ثلاثة مواقع نووية في فوردو ونطنز وأصفهان في منتصف عام 2025، وقال ترامب حينها إنها أنهت «قصة النووي الإيراني إلى الأبد». إلا أن تقارير وزارة الدفاع الأميركية ناقضت تفاؤله، مشيرة إلى أن الضربات ألحقت أضراراً كبيرة لكنها لم تدمر البنية التحتية كلياً، وأن البرنامج تأخر نحو عامين فقط.
وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات على أن إيران عادت لتخصيب اليورانيوم، يرجح خبراء أن أمام الولايات المتحدة وقتاً طويلاً قبل أن يشكل الملف النووي تهديداً فعلياً، ما يعني أن خيار التفاوض لا يزال قائماً.
من النووي إلى الصواريخ
منذ ما بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، عاد ترامب للحديث عن «ضرورة التصدي للترسانة الصاروخية الإيرانية». وقال في خطاب لاحق إن طهران «تعمل على تطوير صواريخ قادرة على بلوغ أوروبا وربما الأراضي الأميركية».
الحديث هنا عن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والتي تشير تقديرات وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية إلى أن إيران قد تمتلك نموذجاً عسكرياً فعالاً منها بحلول عام 2035.
وفي حين يعتبر مراقبون أن هذا التهديد مستقبلي وغير داهم، يرى آخرون أن التصعيد الأميركي مدفوع برغبة إسرائيلية واضحة في جرّ واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع طهران، خصوصاً بعد أن نجحت إسرائيل العام الماضي في إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية مستخدمة طائرات أميركية متطورة من طراز «إف-35».
الحشد العسكري والضغوط الداخلية
منذ يناير/كانون الثاني الماضي، أرسلت الولايات المتحدة حاملتي الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى بحر العرب و«جيرالد فورد» إلى شرق المتوسط، إضافة إلى عدد كبير من المدمرات وأنظمة الدفاع الصاروخي وطائرات مقاتلة من طرازات متعددة، في أكبر حشد عسكري أميركي بالمنطقة منذ حرب العراق عام 2003.
يرى الباحث آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق بوزارة الخارجية الأميركية، أن ترامب «اصطدم بجدار صنعه بنفسه» بعد هذه التحركات، إذ يصعب عليه التراجع دون أن يبدو ضعيفاً أمام مؤيديه أو أمام حلفائه في إسرائيل. ويضيف أن الرئيس الحالي يتعامل مع القضايا الخارجية من منطلق شخصي بحت، حيث يهمه الظهور بمظهر الرئيس القوي القادر على صناعة الانتصارات.
أبعاد سياسية وشخصية
يظهر نفوذ المستشارين المقربين من ترامب – ومنهم صهره جاريد كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف – جلياً في طريقة تعاطي الإدارة مع الملف الإيراني، إذ يربط هؤلاء بين نجاح ترامب المحتمل في إجبار طهران على «الاستسلام» وبين تعزيز صورته السياسية في الداخل الأميركي.
غير أن استطلاعاً للرأي أجري في جامعة ميريلاند مطلع فبراير/شباط أظهر أن 21 في المئة فقط من الأميركيين يؤيدون الحرب على إيران، بينما تنخفض نسبة التأييد بين الجمهوريين إلى 40 في المئة، ما يشير إلى ضعف الغطاء الشعبي لأي عملية عسكرية.
دروس من فنزويلا… وطموحات تتجاوز إيران
يذكّر بعض المحللين بأن ترامب استند إلى التجربة الفنزويلية حين نجحت عملية أميركية جريئة في يناير الماضي في الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو والاستحواذ على منابع النفط في البلاد، وهو ما شجعه – وفق رأيهم – على الاعتقاد بإمكانية تكرار السيناريو نفسه في إيران. غير أن الباحثة روزماري كيلانيك تحذر من أن «ضرب إيران قد يدمر الدولة لكنه لن يمحو المعرفة النووية لدى علمائها»، ولهذا فإن فكرة «تغيير النظام» تظل هدفاً مطروحاً في أذهان بعض دوائر القرار الأميركي.
بين الصفقة والحرب
على الرغم من أن بعض المؤشرات توحي بأن ترامب لا يزال يفضّل التوصل إلى صفقة «تاريخية» مع طهران تعزز إرثه السياسي، فإن شروطه المعلنة بدت قاسية إلى درجة تجعل القبول بها شبه مستحيل بالنسبة للإيرانيين. في المقابل، يدرك الإسرائيليون أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للفعل العسكري إذا استمرت الاستفزازات المتبادلة، وهو ما عبّر عنه أحد الخبراء بالقول إن تل أبيب «تعرف كيف تدفع ترامب نحو الحرب بدلاً من أن تفعلها بنفسها».
خاتمة: من الحسابات السياسية إلى الكلفة الإنسانية
في خضم هذا التصعيد، تغيب الأسئلة الإنسانية الكبرى: ماذا يعني اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط؟ كم من المدنيين سيدفعون الثمن؟ وأي مستقبل ينتظر شعوب المنطقة إذا تحولت لعبة القوة بين زعماء العالم إلى واقعٍ مدمر؟
تتكاثر التحذيرات من أن أي خطأ في التقدير قد يشعل نزاعاً لا تقتصر آثاره على طهران وواشنطن فحسب، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها. وبينما يسعى السياسيون لتسجيل نقاط في معاركهم، يبقى الهاجس الحقيقي هو حماية أرواح الناس من مغامرات لا يعرف أحد إلى أين يمكن أن تنتهي.
اقرأ المزيد
تحذيرات من مواجهة أمريكية إيرانية محتملة وتحولات في استراتيجية البنتاغون
عرض إيراني مغرٍ لواشنطن: مليارات الدولارات في قطاع الطاقة مقابل رفع العقوبات والاعتراف بالنووي












