وطن-في تطورٍ وصف بالأخطر منذ عقود، دخلت إيران والمنطقة مرحلة غير مسبوقة بعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، في غارات جوية واسعة استهدفت العاصمة طهران. وبحسب ما أعلنه التلفزيون الرسمي الإيراني فجر الأحد، فقد أودت الضربات —التي نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل— بحياة خامنئي البالغ من العمر 86 عامًا، إلى جانب ابنته وصهره وحفيدته.
لحظة الإعلان والحزن العام
بصوتٍ متقطع ودموعٍ غلبت مذيع الأخبار، نُعي القائد الذي شكّل أحد أبرز رموز الثورة الإسلامية منذ أكثر من أربعين عامًا. وأكد المذيع أن خامنئي “نال ما كان يتمناه من شهادة في شهر رمضان المبارك”، في إشارةٍ إلى ما يعدّ مكانة روحية عليا في الثقافة الدينية الإيرانية.
كما اعتبر الخطاب التلفزيوني أن إيران و«الأمة الإسلامية» تواجهان “اعتداءً شريراً من القوى الأمريكية والصهيونية”، داعيًا إلى “انتفاضة كبرى في وجه الظالمين”. وبعد ساعات، أكدت وكالة «فارس» شبه الرسمية نبأ مقتل أفراد من عائلة الزعيم إلى جانبِه، بعد تواصلها مع مصادر داخل منزله.
صور التُقطت عبر الأقمار الصناعية أظهرت دماراً واسعاً في مجمع القيادة بطهران، بينما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطعَ لدخانٍ أسود يتصاعد من المنطقة المستهدفة. ووفق وكالة «تسنيم»، فقد قضى خامنئي داخل مكتبه أثناء القصف، بينما نقلت مصادر إيرانية لـ«رويترز» أنه كان قد اجتمع قبل الهجوم بقليل مع علي شمخاني، الأمين السابق لمجلس الأمن القومي، ومحمد باكبور، قائد قوات الحرس الثوري البرية، دون تأكيد إن كان قد نجا أيٌّ منهما.
ردود داخلية ودولية
أعلنت أعلى هيئة أمنية في البلاد، مجلس الأمن القومي الأعلى، أن “استشهاد القائد” سيفتح “فصلًا جديدًا في مسيرة الحكم الإسلامي”، متوعدةً بالثأر.
في المقابل، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية بأنها “تحقيقٌ للعدالة للشعب الإيراني وللأمة الأمريكية”، مؤكداً في منشور مطوّل عبر منصته الخاصة أن القوات الأمريكية والإسرائيلية استخدمتا “أنظمة تعقّب متطورة حالت دون إفلات” خامنئي أو مرافقيه. وأشار ترامب إلى أن القصف “سيستمر طالما اقتضت الضرورة لتحقيق الهدف المنشود”، معلنًا في الوقت نفسه استعداده لمنح “عفوٍ أمني” لعناصر من القوات النظامية الإيرانية قال إنهم “لم يعودوا راغبين في القتال”.
من هو آية الله علي خامنئي؟
وُلد خامنئي في 19 أبريل (نيسان) 1939 في أسرة دينية بمدينة مشهد، وتلقّى علومه الشرعية في حوزاتها، ثم في النجف بالعراق قبل أن يعود ليستقر في قم، حيث تتلمذ على أيدي عدد من كبار المراجع، بينهم آية الله حسين البروجردي وآية الله روح الله الخميني.
شارك في نشاطات معارضة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي في الستينيات والسبعينيات، مما جعله عرضةً للاعتقال والتعذيب على يد جهاز «السافاك». وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 وعودة الخميني من المنفى، تولى خامنئي مناصب عدة في الدولة الجديدة، من عضوية المجلس الثوري إلى نائب وزير الدفاع وإمام صلاة الجمعة في طهران.
نجا خامنئي عام 1981 من محاولة اغتيال بتفجير استهدفه أثناء إلقائه كلمة في أحد المساجد، ما أدى إلى إصابته الدائمة في ذراعه اليمنى. وفي العام نفسه، وبعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر، خاض الانتخابات الرئاسية وفاز بنسبة 95% من الأصوات، ليصبح ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية.
مع وفاة الخميني عام 1989، تولى خامنئي منصب المرشد الأعلى، أعلى سلطة في البلاد، ليدير إيران عبر مراحل سياسية مضطربة شملت الحرب مع العراق والتوترات المستمرة مع الغرب. وقد حرص خلال قيادته على تمكين الحرس الثوري اقتصاديًا وسياسيًا، وجعل منه ركيزة أساسية في نفوذ إيران الإقليمي، خصوصًا في مناطق الصراع بالشرق الأوسط.
ملامح المرحلة المقبلة
في ظل غياب المرشد الأعلى، تتجه الأنظار إلى ترتيبات الخلافة داخل مؤسسة الحكم الديني. وتشير التقديرات إلى احتمال بروز أسماء من التيار المحافظ المتشدد، بينما يرى مراقبون أن مشاركة ابن الراحل، مجتبى خامنئي، في المشهد السياسي قد تفتح الباب أمام انتقال قيادي ذي طابع عائلي، ما يُعد سابقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
كما يبرز الدور المنتظر للحرس الثوري، الذي يمتلك فعليًا مفاتيح التأثير العسكري والاقتصادي في البلاد، في تحديد مسار السلطة المقبلة.
رحيل خامنئي يطوي أكثر من أربعة عقود من هيمنة شخصية مثيرة للجدل جمعت بين الزعامة الدينية والمقام السياسي، ويفتح فراغاً غير مسبوق في توازنات إيران الداخلية والإقليمية. وفيما تعيش البلاد صدمة الفقد، يتساءل الإيرانيون والعالم عمّا إذا كانت المرحلة التالية ستشهد جولة جديدة من التصعيد، أم بداية إعادة صياغة لمعادلة السلطة في الجمهورية الإسلامية.
اقرأ المزيد
تصعيد خطير في الخليج بعد هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران واستنفار شامل في المنطقة












