وطن-بينما تتغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة، يجد الأوروبيون أنفسهم على هامش الأحداث، يراقبون إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية دون أن يكون لهم دور مؤثر فيها. التطورات الأخيرة، سواء في إيران أو في علاقات واشنطن بحلفائها الإقليميين، تعكس تحوّلاً عميقاً يعيد تثبيت الهيمنة الأميركية، ويضع دولاً عربية، أبرزها المغرب، في موقع الشريك الموثوق مقابل تراجعٍ واضح في حضور أوروبا وإسبانيا تحديداً.
واقع جيوسياسي جديد
أعادت الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، وما يُتداول عن احتمال تغيّر النظام فيها، الشرق الأوسط إلى دائرة النفوذ الأميركي الكامل. في المقابل، تراجعت مكانة روسيا، بينما بدت أوروبا غائبة تماماً. أما إسبانيا، التي كانت تراهن على خطاب الدبلوماسية الهادئة، فتجد نفسها اليوم بلا تأثير يُذكر، خصوصاً إذا ما قورنت بجارتها الجنوبية التي تحصّن موقعها في مراكز القرار الدولية.
المغرب… شريك يعزّز مكانته
جعلت سياسة الرباط خلال السنوات الأخيرة منها شريكاً مفضلاً لواشنطن. فالمملكة، التي سارت في نهج الانفتاح على إسرائيل ضمن ما يُعرف باتفاقات أبراهام، قدّمت نفسها كحليف يعتمد عليه في قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات العسكرية. بل إنّ استعدادها لإرسال وحدات شرطة وجيش ضمن بعثة دولية إلى غزة، تلبيةً لما طلبته الإدارة الأميركية، يعكس درجة الانخراط السياسي الذي تسعى إليه.
تحذّر مصادر دبلوماسية أوروبية من أنّ هذا التمدد المغربي المتسارع، في ظل الانكفاء الإسباني، قد يحمل مفاجآت غير متوقعة في العلاقات الثنائية. إذ ترى تلك المصادر أنّ مدريد تتعامل بخفة مع التحوّلات، خشية الخوض في ملفات معقدة قد تمسّ توازنها الداخلي أو علاقاتها الأوروبية.
إسبانيا: خطاب التضامن مقابل عزلة القرار
عقب الهجوم على إيران، تبنّت الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز ووزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس موقفاً يدعو إلى “تهدئة عاجلة” و”الالتزام بالقانون الدولي”. ورغم أنّ الخطاب بدا متوازناً من الناحية الأخلاقية، إلا أنه لم يجد صدىً لدى شركاء مدريد الاستراتيجيين. فبينما انخرطت دول الاتحاد الأوروبي الكبرى في مداولات حول مستقبل المفاوضات مع إيران، كرّرت إسبانيا مواقفها المبدئية دون أن تترجمها إلى تأثير حقيقي في واشنطن أو تل أبيب.
لا تتجاهل الولايات المتحدة، بدورها المواقف المترددة لحلفائها الأوروبيين، إذ وضعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية تصنيفاً جديداً للحلفاء الموثوقين، حيث يحظى المغرب بدعم مباشر شمل الموقف من الصحراء الغربية، في حين تُوصَف علاقات واشنطن بمدريد بأنها “فاترة”.
الاقتصاد والرهان العالمي على الشرق الأوسط
وراء قرارات واشنطن تكمن معادلة أعمق تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية. فالمواجهة مع الصين على موارد الطاقة ومساراتها الاستراتيجية جعلت السيطرة على الشرق الأوسط مسألة تتصل بالأمن القومي الأميركي. ومن هنا يأتي تسارع التحالفات مع الدول العربية، ليس بدافع عاطفي بل بحسابات اقتصادية دقيقة.
تُظهر البيانات أنّ للولايات المتحدة اليوم ما لا يقل عن 19 منشأة عسكرية في المنطقة، منها ثماني قواعد ثابتة من مصر إلى عُمان، مما يعزز بنية حضورها الدائم. هذا الانتشار الواسع يمنحها حرية المناورة وضمان تدفق النفط والغاز ضمن شبكات آمنة بعيدة عن النفوذ الصيني والروسي.
الدول العربية: من شعارات التضامن إلى منطق المصالح
اعتمدت أنظمة عربية عديدة، لا سيما في الخليج ومصر والأردن والمغرب، مسار التطبيع الكامل مع إسرائيل، في إطارٍ جديد يضع المصالح فوق الشعارات. اتفاقات أبراهام مثّلت لحظة فاصلة حين جرى فصل القضية الفلسطينية عن مسار العلاقات العربية الإسرائيلية. للمرة الأولى منذ عقود، لم يعد التقدم في ملفي غزة والضفة شرطاً للتعاون مع تل أبيب.
بهذا التوجه، حلّت البراغماتية محلّ العاطفة الثورية، وتقدمت حسابات الاستقرار الاقتصادي والأمني على ما عداها.
أوروبا وإسبانيا… الدور المفقود
وسط هذه التحوّلات، بدأ الدور الأوروبي بالتآكل، فيما تتعمق هشاشة الموقف الإسباني. فحين يتغيّر المشهد بسرعة، لا تكفي التصريحات ولا البيانات لتثبيت الحضور. العواصم التي تتقن لغة المصالح هي التي تحدد شكل العالم الجديد. وفي الوقت الذي تجمع فيه الرباط أوراق قوة من واشنطن وتل أبيب والعواصم الخليجية، تكتفي مدريد بالتعليق من بعيد على مسار الأحداث.
لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط تدور حول من يرفع الشعارات الأكثر إنسانية، بل حول من يقدّم المبادرات الأكثر واقعية. الواقع لا يرحم، ومن لا يحتل موقعه على الخريطة يُستبدل سريعاً بمن يملك الرؤية والإرادة. في هذا الزمن الذي ينحاز فيه النفوذ إلى من يحسن قراءة المتغيرات، يبدو أن المغرب أدرك مبكراً أهمية التموقع في الجانب الفاعل من التاريخ، فيما لا تزال إسبانيا تبحث عن صوتٍ يُسمع في عالمٍ لا ينتظر المترددين.
اقرأ المزيد
إسبانيا تمنع استخدام قواعدها لضرب إيران وبريطانيا تمنح واشنطن “الضوء الأخضر” للدفاع المشترك












