وطن-في مشهد يعكس تحوّل الحروب الحديثة من ساحات المعارك إلى حروب استنزاف مالية وتقنية، تشهد منطقة الخليج واحدة من أكثر المواجهات تطورًا في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، حيث تعمد إيران إلى استراتيجية جديدة يبدو هدفها الحقيقي ليس فقط ضرب الخصوم، بل إنهاك قدراتهم الدفاعية والمالية على المدى الطويل.
منذ اندلاع التصعيد الأخير عقب استهداف قيادات إيرانية بارزة، وسّعت طهران نطاق عملياتها لتشمل الهجمات على إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، إلى جانب استهداف منشآت نفط وغاز في السعودية وقطر، وحتى مضيق هرمز، في خطوة تعكس رغبتها في توجيه ضربة غير مباشرة للاقتصاديات المتحالفة مع واشنطن.
لكن ما يثير القلق أكثر هو الوجه الآخر لهذه الهجمات: “الاستنزاف المالي”. فوفق تقديرات خبراء الدفاع الجوي، تعتمد إيران على تكتيك يرهق خصومها عبر إجبارهم على إنفاق أضعاف ما تنفقه هي لاعتراض هجماتها، خصوصًا باستخدام الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة التي تتطلب صدها منظومات باهظة الثمن.
أرقام تعكس الكلفة
بحلول الأحد، كانت إيران قد أطلقت 165 صاروخًا باليستيًّا وصاروخين من طراز كروز، إلى جانب 541 طائرة مسيّرة باتجاه الإمارات. وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن دفاعاتها اعترضت 152 صاروخًا وأكثر من 500 مسيّرة، محققة نسبة نجاح تتجاوز 92 في المئة. أما قطر، فذكرت أنها تعرّضت لهجمات مماثلة شملت 65 صاروخًا و12 طائرة مسيّرة، تمكنت من اعتراض معظمها بنسبة بلغت نحو 96 في المئة.
وعلى الرغم من هذه النسب المرتفعة، إلا أن الخبراء يرون أنها نجاحات مكلفة للغاية. الباحثة في شؤون الدفاع الجوي كيلي غريكو، من مركز “ستيمسون” الأمريكي، أوضحت أن “إيران تنفق ما بين 20 و50 ألف دولار لإنتاج طائرة مسيّرة واحدة، بينما تضطر الدول المستهدفة لدفع ما بين 20 و28 ضعف هذا المبلغ لإسقاطها”. وبلغة الأرقام، فإن التكلفة المقدّرة للهجمات الإيرانية على الإمارات تراوحت بين 177 و360 مليون دولار، لكن كلفة التصدي لها على الجانب الإماراتي بلغت ما بين 1.45 و2.28 مليار دولار خلال أيام معدودة.
وصف محلل في مجلة ذي إيكونوميست هذا المشهد بعبارة لافتة: “الأمر يشبه استخدام سيارة فيراري لاعتراض دراجة كهربائية”.
نمط معروف من الحروب الحديثة
هذه ليست المرة الأولى التي يُعتمد فيها هذا النوع من الحرب المالية. فقد سبق أن استخدمت روسيا التكتيك نفسه في أوكرانيا، معتمدة على طائرات “شاهد” الإيرانية الصنع، التي أعادت تصنيعها على نطاق واسع بمكونات صينية. ويُظهر المثال الأوكراني أن الكلفة الدفاعية غالبًا ما تفوق الكلفة الهجومية بعشرات المرات، خاصة عندما تُستخدم مئات المسيّرات الرخيصة في هجمات الإغراق الجوي.
الباحث ديفيد جوردن من كلية “كينغز كوليدج” في لندن، أشار إلى أن الدفاعات الجوية في مثل هذه الحروب تمرّ بدورات متكررة من “التكيّف والمفاجأة”، إذ يبتكر أحد الأطراف أساليب جديدة لتجاوز الأنظمة الدفاعية، بينما يسعى الطرف الآخر لتطوير وسائل مضادة خلال أسابيع قليلة.
سباق التسلح وتآكل المخزون
التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة وحلفائها يكمن في مدى قدرتهم على الحفاظ على معدلات الاعتراض العالية نفسها في ظل استنزاف كبير للمخزونات.
تحدّثت تقارير غربية عن “سباق أمريكي” لتعويض النقص في صواريخ “باتريوت” و”ستاندرد” و”ثاد”، في وقت تشير معلومات إلى أن إسرائيل نفسها تواجه نقصًا في صواريخ منظومة “آرو 3” الدفاعية.
وتشير تحليلات عسكرية إلى أن استمرار الحرب على هذا النسق من الكثافة قد يؤدي إلى “مرحلة الانعكاس”؛ أي أن يتحول الضغط من المهاجم إلى المدافع، إذا ما نجحت إيران في الإبقاء على وتيرة الهجمات.
واقع الدفاعات الخليجية
ضمن منظومة التعاون الخليجي، تمتلك السعودية أوسع شبكة دفاع جوي تشمل بطاريات “باتريوت” وأنظمة “ثاد” الأمريكية، إلى جانب منظومات فرنسية وأخرى قصيرة المدى.
الإمارات من جهتها تعتمد على المزيج ذاته تقريبًا، وتعدّ مع السعودية الدولتين الوحيدتين في الخليج اللتين تشغّلان منظومة “ثاد” المتقدمة. كما تستخدم أبوظبي المنظومة الكورية “تشونغونغ 2” لمواجهة التهديدات المتوسطة المدى، إضافة إلى أنظمة بريطانية وسويدية وفرنسية.
أما قطر، فقد أبرمت بالفعل صفقة للحصول على “ثاد”، وتعتمد حاليًا على منظومات “باتريوت” و”NASSAMS III” الأمريكية. وللتهديدات القريبة تستخدم قطر مزيجًا من المنظومات الروسية والأمريكية والصينية.
تحدي المستقبل: دفاعات باهظة مقابل هجمات رخيصة
في ظل استمرار التصعيد، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يمكن للدول المستهدفة تحمّل كلفة الدفاع؟
تقرير لخبير بريطاني أكد أن “عمق الترسانة وتيرة التصنيع السريع هما ما يحددان قدرة أي دولة على الصمود أمام حروب الاستنزاف الحديثة”، مشيرًا إلى أن القدرة على إعادة بناء المخزونات أصبحت عاملًا استراتيجيًا حاسمًا لا يقل أهمية عن نوعية السلاح نفسه.
تبدو المواجهة الحالية في الخليج أكثر من مجرد حرب صواريخ وطائرات مسيّرة؛ إنها اختبار لقدرة الدول على الصمود المالي والتكنولوجي. فبينما تسعى طهران لإثبات أن كلفتها العسكرية أقل بكثير من كلفة الدفاع عنها، يجد خصومها أنفسهم أمام معضلة جديدة: كيف يمكن حماية السماء دون استنزاف الأرض اقتصاديًا؟
اقرأ أيضاً
بعد هجوم “رأس تنورة”.. كيف تأثرت مصفاة أرامكو العملاقة وشحنات النفط؟
حريق في مركز بيانات لـ«أمازون» بالإمارات وسط توتر إقليمي متصاعد












