وطن – في لحظةٍ واحدة، لم تنقطع فقط 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا، بل انكشف ملف كامل كان يُدار في الظل. قرار من تل أبيب بتفعيل بند «القوة القاهرة» أوقف الغاز من حقلي حقل تمار وحقل ليفياثان، ليتحوّل الشتاء المصري إلى انتظار، والصيف القادم إلى قلقٍ مكتوم. لم تعد المسألة أرقامًا، بل شريان طاقة يتعرض للاختبار بقرارٍ أُحادي.
القصة أن 80% من كهرباء بلدٍ يتجاوز سكانه 108 ملايين إنسان تقوم على الغاز، وأن فجوةً تصل إلى 30% بين الإنتاج والاستهلاك تُغطّى من الخارج. القصة أن مصانع قد تتباطأ، ومستشفيات قد ترتجف أجهزتها، وقرىً قد تعود لساعات الظلام، فقط لأن بندًا تعاقديًا فُسِّر من طرفٍ واحد. أمن الطاقة هنا ليس رفاهية، بل مسألة استقرار يومي لكل بيت.
قبل خمسة عشر عامًا، حين توقفت إمدادات الغاز المصرية إلى إسرائيل بعد اضطرابات 2011، لم تُقبَل تبريرات «الظروف الاستثنائية»، ولُجئ إلى التحكيم الدولي وفُرضت غرامات بمليارات على مصر. اليوم يُستخدم المصطلح ذاته بصيغة أخرى: «القوة القاهرة»، لكن هذه المرة القاهرة هي الطرف الذي ينتظر، فيما يمتد اتفاق حتى 2040 بقيمة 35 مليار دولار بنظام “Take or Pay” يُلزم بالدفع سواء استُلم الغاز أم لا، وسط شروط جزائية غامضة وقيود غير معلنة.
المشهد لم يعد يحتمل التجميل: احتلالٌ غاشم يملك صمام الغاز، وبقرار واحد يمكن أن يُربك المصانع ويُقلق البيوت ويضع مصر في وضع كارثي. حين يُربط شريان الكهرباء المصري بخط أنابيب خاضعٍ لحسابات الاحتلال، يتجاوز الأمر الاقتصاد إلى النفوذ والسيطرة، وأي توتر سياسي قد يتحول إلى رسالة عملية تصل إلى كل بيت مصري. ليست أزمة إمدادات عابرة، بل لحظة انكشاف قاسية: من يملك الصمام… يملك القدرة على الخنق.
قد يعجبك












