وطن-في الوقت الذي كانت فيه التوقعات تشير إلى صراع قصير لا يتجاوز بضعة أسابيع، يبدو أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وطولًا، مهدِّدة بأن تتحول إلى العنوان الأبرز في ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب المقبلة. فالمشهد الميداني يتغير بوتيرة سريعة، فيما تتسارع التحركات داخل واشنطن لمواجهة واقع لم يكن في حسبان المؤسسة العسكرية الأميركية.
تعبئة استخباراتية واسعة
كشفت مصادر مطلعة كشفت أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بادرت إلى توسيع عملياتها الاستخبارية في إطار ما تصفه بالتحضير لـ”حرب طويلة الأمد” ضد إيران، تمتد على الأرجح حتى خريف عام 2026. وقد طلبت القيادة المركزية الأميركية تعزيز طواقمها في مقرها بمدينة تامبا بولاية فلوريدا عبر إرسال ضباط استخبارات إضافيين، لدعم العمليات الميدانية لمدة لا تقل عن مئة يوم، وربما حتى شهر أيلول/سبتمبر المقبل.
يعد هذا الإجراء أول خطوة واضحة لإدارة ترامب نحو زيادة مواردها الاستخباراتية في الحرب، بما يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن الصراع الحالي لن يكون قصير المدى كما صُوّر في بدايته. وكان ترامب قد قال في تصريحات سابقة إن الحملة العسكرية قد تستمر “من أربعة إلى خمسة أسابيع”، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى احتمال استمرارها “لفترة أطول بكثير”.
تقديرات استخبارية مضطربة
يعكس الاندفاع السريع لتعبئة الموارد، بحسب تقارير أميركية، أن واشنطن لم تكن مستعدة لحجم وتداعيات المواجهة التي اندلعت بشكل مفاجئ بالتنسيق مع إسرائيل. فالحروب الواسعة النطاق عادة ما تخضع لتخطيط طويل الأمد، لكن التحركات العاجلة داخل البنتاغون أظهرت أن القادة العسكريين قد أساؤوا تقدير ردود الفعل الإقليمية والدولية على الضربات الأولى ضد إيران.
وكانت تقارير سابقة قد بينت أن مستشاري ترامب المقرّبين رجحوا أن تبادر إسرائيل بالهجوم على إيران أولاً، لتتدخل بعدها الولايات المتحدة دعماً لحليفتها. بالفعل، تطورت الأحداث على هذا النحو، لتنجرف واشنطن إلى صراع مباشر قد يمتد لأشهر، وربما أطول.
خسائر بشرية فادحة
تؤكد بيانات صادرة عن جمعية الهلال الأحمر الإيرانية أن الغارات المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة تسببت حتى الآن في مقتل ما لا يقل عن ألف شخص وإصابة المئات، بينهم أكثر من 165 ضحية — معظمهم من الأطفال — قضوا في هجوم مزدوج على مدرسة ابتدائية، وُصف بأنه من أكثر الاعتداءات دموية منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، أعلن الجيش الأميركي عن مقتل ستة من جنوده في الكويت، نتيجة ضربة إيرانية استهدفت موقعًا عسكريًا أميركيًا في المنطقة.
انقسام داخلي أميركي
الحرب التي بدأت كعملية محدودة تهدد اليوم بإعادة رسم معالم الرئيس ترامب السياسية، إذ ارتفعت أصوات في الداخل الأميركي تعارض الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، خصوصًا تلك التي تُعد دفاعًا عن إسرائيل. ويخشى مراقبون من أن تؤدي هذه الانقسامات إلى إضعاف القاعدة الانتخابية للرئيس في عامه الانتخابي الحاسم.
اعترف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، صراحة بأن خطوات إسرائيل الاستباقية كانت وراء الانخراط العسكري الأميركي، قائلاً إن واشنطن كانت على علم بأن الهجوم الإسرائيلي سيستدعي رداً على القوات الأميركية، ولذلك لجأت إلى ما وصفه بـ”ضربة استباقية لتقليل الخسائر المحتملة”. تصريحات روبيو كشفت بوضوح أن واشنطن اختارت الانخراط بدلاً من كبح حليفتها الإسرائيلية، حتى مع علمها بالمخاطر الواسعة.
تصريحات إسرائيلية مثيرة للجدل
في الجانب الإسرائيلي، احتفى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علنًا بتوسيع نطاق الحرب، قائلاً إن العمليات ضد إيران تتم “بدعم من الولايات المتحدة، وصديقي الرئيس ترامب، والجيش الأميركي”. وأضاف أن هذه الحرب تمثل، بالنسبة له، “تحقيقًا لحلم استمر أربعين عامًا”، معتبرًا أن التحالف الحالي يتيح لإسرائيل تنفيذ ما وصفه بـ”الهدف التاريخي” الذي طال انتظاره.
بين لغة الأرقام وخطاب القوة، تبقى الحقيقة أن ثمن الحروب يتعدى حدود الحسابات السياسية والعسكرية. فالمشهد الإنساني في طهران ومدن إيران الأخرى، كما في قواعد أميركية بالمنطقة، يكشف عن وجعٍ يتقاسمه الجميع. وفي ظل تصاعد الخسائر، يبدو أن ما بدأ كحملة خاطفة قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، تترك آثارها ليس فقط على الأرض، بل على السياسة والعلاقات الدولية لعقود قادمة.
اقرأ المزيد
رئيس تحرير “إندبندنت عربية”: ليس كل الهجمات “إيرانية”.. ومخاوف من سيناريو الانسحاب الأمريكي
“سياسة الأرض المحروقة”.. لماذا قرر هيغسيث استخدام القنابل العملاقة في قصف إيران الآن؟
تقرير عبري: إيران تحتفظ بقدراتها القتالية والسلطة في طهران لا تواجه خطر السقوط الوشيك












