وطن-تشهد أروقة المؤسسات الحكومية في إسرائيل جدلاً متصاعداً بعد أن رفع عدد من الشركات والمتعاقدين دعاوى ضد مديرية الدبلوماسية العامة، المعروفة باسم “هسبرا” (Hasbara)، للمطالبة بمستحقات مالية تقدر بملايين الشواكل عن أعمال لم يتقاضوا مقابلها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذه الأزمة، التي كشفت عنها صحيفة كالكاليست الاقتصادية الإسرائيلية، تسلط الضوء على جانب خفي من آلة الدعاية التي رافقت الحرب الإسرائيلية على غزة.
شركات بلا مستحقات… ودعاوى بالملايين
بحسب التقرير، فإن شركتين خاصتين شاركتا في دعم جهود “الهسبرا” خلال الأشهر الأولى من الحرب تطالبان الحكومة الإسرائيلية بمبلغ يقارب مليوني شيكل (نحو 650 ألف دولار). إحداهما وفّرت استوديوهات إعلامية استخدمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت لإجراء مقابلات، وتطالب حالياً بأكثر من نصف مليون شيكل (160 ألف دولار). أما الشركة الثانية، المعروفة باسم “إنتلكت”، فتطالب بـ1.5 مليون شيكل تقريباً (487 ألف دولار) من مكتب رئيس الوزراء المشرف على عمل المديرية.
ورغم أن أصحاب الدعاوى ليسوا جميعاً موظفين حكوميين رسميين، إلا أن كثيراً منهم قدموا خدمات إعلامية من خلال شركات إنتاج خاصة استخدمت كقنوات دفع لتمويل المؤثرين والنشطاء الذين ظهروا في الإعلام العالمي للدفاع عن الموقف الإسرائيلي.
متحدثون سابقون ومؤثرون في دائرة الجدل
من بين الشخصيات المرتبطة بالملف، يبرز اسم المتحدث الرسمي الإسرائيلي السابق إيلون ليفي، الذي عمل في الحكومة حتى مارس/آذار 2024. ورغم أنه لا يشارك في الدعوى القضائية، أكد أنه لم يحصل على مستحقاته المالية من مديرية الدبلوماسية العامة، مشيراً إلى أنه “ملّ من المطالبة بحقوقه”. ليفي، وهو بريطاني المولد وتخرّج من جامعتي UCS وأوكسفورد في لندن، واصل نشاطه الإعلامي بعد مغادرته الحكومة، حيث يستخدم منصاته للتعليق على قضايا سياسية ودبلوماسية.
وفي منشور له على منصة “إكس” التي يتابعها أكثر من 250 ألف مستخدم، هاجم ليفي الحكومة البريطانية، قائلاً إن “إنكارها لهجوم إيراني على قاعدة بريطانية في قبرص يُعدّ تجاهلاً للحقائق”، ودعا إلى طرد السفير الإيراني من لندن.
وبحسب ما نقلته كالكاليست عن مصادر حكومية، أقر مكتب رئيس الوزراء بحدوث “مخالفات في آليات التعاقد” داخل مديرية الدبلوماسية العامة، لكنه امتنع عن التعليق تفصيلاً بحجة أن القضية قيد النظر القضائي.
ميزانيات ضخمة ومهام دعائية عابرة للحدود
منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، توسعت جهود “الهسبرا” لتشمل وزارتي الخارجية وشؤون الشتات، حيث رُصدت لها ميزانيات إضافية ضخمة في محاولة لترويج الرواية الإسرائيلية والرد على الاتهامات الدولية بارتكاب جرائم حرب وإبادة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، صادقت الحكومة على تمويل إضافي بلغ 150 مليون شيكل (نحو 49 مليون دولار) لوزارة الخارجية، ليُضاف إلى ميزانية قائمة قيمتها 520 مليون شيكل (نحو 170 مليون دولار). اللافت أن هذه المخصصات استُقطِعت من ميزانية التعليم العالي، ما أثار انتقادات داخلية شديدة.
كما أنشأت وزارة الخارجية آنذاك مديرية جديدة للدبلوماسية العامة، كان من المقرر أن تضم مدونين ومؤثرين رقميين بعد أن تبيّن للحكومة أن أداء “الهسبرا” خلال الحرب دون المستوى المتوقع.
حملات تستهدف الجامعات والمستوطنات
في يونيو/حزيران 2024، كشفت تقارير عن أن وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي قاد حملة إعلامية تستهدف الجامعات الأمريكية بهدف التأثير في طلابها وصياغة مفهوم جديد لمعادات السامية في القوانين الأميركية. وبعد أقل من عام، في مايو/أيار 2025، أطلق شيكلي برنامج دعم للمجالس الاستيطانية داخل إسرائيل يمنحها ما يصل إلى مليون شيكل (حوالي 325 ألف دولار) مقابل تنفيذ مشاريع دعاية موجهة للجمهورين المحلي والدولي.
واقع يثير التساؤلات
تثير هذه القضايا أسئلة حول طبيعة العلاقة بين المال والسياسة في مؤسسات الدولة، وحدود العمل الدعائي الذي تخوضه إسرائيل على المستويين المحلي والدولي. وفي الوقت الذي تواجه فيه الحكومة دعاوى بملايين الشواكل من متعاقدين غاضبين، تستمر في تخصيص موارد إضافية لحملات إعلامية تهدف إلى تحسين صورتها في الخارج.
ورغم الطابع المالي البحت لهذا النزاع، إلا أنه يُبرز – وفق مراقبين – أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الخطاب الرسمي ورهان الحكومة على المؤثرين وشركات الإنتاج الخاصة كأدوات دعائية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الجدل حول الشفافية والمساءلة داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
اقرأ المزيد
ضربة استباقية أم مغامرة؟ لماذا هاجم حزب الله إسرائيل وماذا وراء “انفصال” بري عن الحزب؟
تقرير عبري: إيران تحتفظ بقدراتها القتالية والسلطة في طهران لا تواجه خطر السقوط الوشيك












