وطن -في الثالث من مارس/آذار 2026، عاشت بيروت يوماً غير عادي، إذ استفاق اللبنانيون على أخبار تفجّر جبهة الجنوب من جديد بعد هدوء نسبي استمرّ منذ نهاية حرب 2024. لم تكد تمرّ ساعات على الضربة المفاجئة التي وجّهها «حزب الله» إلى شمال إسرائيل، حتى ردّت إسرائيل بحملة جوية واسعة طالت الضاحية الجنوبية للعاصمة ومناطق في الجنوب والبقاع، مخلفةً دماراً كبيراً وسقوط ما لا يقلّ عن 40 قتيلاً و246 جريحاً.
جاء الهجوم الذي تبنّاه الحزب، بحسب مصادر مقربة منه، «رداً على اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي» في عملية مشتركة أميركية–إسرائيلية استهدفت طهران، ولـ«الدفاع عن لبنان»، كما ورد في بيانه. إلا أن هذا الرد لم يقتصر صداه على الحدود، بل نقل الأزمة إلى قلب الداخل اللبناني، حيث أعلنت الحكومة قرارات غير مسبوقة في تاريخ علاقتها بالحزب.
ففي جلسة طارئة لمجلس الوزراء، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام حظراً شاملاً على أي نشاط عسكري أو أمني لـ«حزب الله»، داعياً إلى تسليم سلاحه بالكامل، ومؤكداً أن «قرار الحرب والسلم هو من صلاحية الدولة وحدها». كما وجّه أوامر للجيش والأجهزة الأمنية باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمنع إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من الأراضي اللبنانية وتوقيف المخالفين.
اللافت أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي، حليف الحزب التاريخي وزعيم حركة «أمل»، أعلن تأييده للموقف الحكومي، ما أثار تساؤلات حول احتمال وقوع شرخ داخل «الثنائي الشيعي». غير أن مصادر متابعة أكدت أن المشهد أكثر تعقيداً مما يبدو، فالاتصالات بين برّي وقيادة الحزب سبقت الهجوم بساعات، وسط قناعة مشتركة بأن إسرائيل كانت تستعد لضربة وشيكة على لبنان.
يرى برّي، وفق المصادر أن على بيروت ألا تمنح تل أبيب الذريعة لبدء الحرب، بينما اعتبر الحزب أن مقتل خامنئي غيّر المعادلة وجعل المواجهة حتمية، سواء بادر إلى الهجوم أو انتظر الضربة الأولى. من هنا، جاءت العملية كخطوة «استباقية» هدفها تقييد الضربة الإسرائيلية الوشيكة وتخفيف حجم الخسائر المتوقعة.
كشف مصدر قريب من الحزب أن قرار تنفيذ العملية اتُخذ قبل 48 ساعة من وقوعها، وأن التعليمات نُقلت إلى الوحدات الميدانية بخطابات مكتوبة يدوياً لتفادي التنصّت الإسرائيلي. وأوضح أن القيادة «كانت على يقين من أن إسرائيل ستشنّ حملة واسعة عاجلاً أم آجلاً»، وأنها فضّلت تغيير قواعد الاشتباك بدلاً من انتظار المفاجأة.
على الجانب الإسرائيلي، كانت التقارير قد تحدثت عن استعداد لاستدعاء أكثر من 100 ألف جندي احتياط ضمن خطة تُعرف باسم «الأسد الهادر»، في إطار مواجهة مرتقبة مع إيران. تلك الأنباء غذّت الشعور في لبنان بأن الصراع بدأ يتجاوز نطاق الحدود، ما زاد الوضع هشاشةً وخطورة.
عودة القصف الجوي على الضاحية والجنوب أعادت إلى الأذهان مشاهد النزوح الجماعي خلال حرب 2024، التي استمرت 66 يوماً وخلفت في يومها الأكثر دموية، 23 سبتمبر/أيلول 2024، نحو 492 قتيلاً خلال يوم واحد، لترتفع الحصيلة في يومين إلى 569 ضحية. وفي حين شكّلت تلك الحرب محطة دامية في الذاكرة اللبنانية، يخشى كثيرون أن يعيد التصعيد الجديد السيناريو نفسه.
ويرى متابعون أن قرار الحكومة الأخير يمثل أول محاولة جدية منذ عقود لفرض احتكار الدولة للسلاح وقرارات الأمن القومي، مستفيدةً من تراجع قوة الحزب بعد خسائره في الحرب السابقة وتبدّل الأوضاع الإقليمية. لكن هذه المحاولة تفتح في المقابل صفحة غير مأمونة العواقب، إذ إن تطبيقها قد يقود إلى مواجهة مباشرة بين أجهزة الدولة و«حزب الله»، ما يهدد بتغيير موازين القوى الداخلية.
وفي قراءة أخرى داخل الساحة الشيعية، يشير مطّلعون إلى أن الظهور العلني لبرّي بموقف مغاير للحزب ليس بالضرورة مؤشراً على قطيعة، بل خطوة تكتيكية تهدف إلى تأمين «مخرج في حال الأسوأ». فلو انتهت المواجهة بخسارة كبرى للحزب، يستطيع برّي أن يحتفظ بدوره كواجهة مؤسساتية قادرة على التفاوض واحتواء التداعيات، وضمان استمرار التمثيل السياسي للطائفة في الدولة.
وبينما يستمرّ التوتر على الحدود ويتصاعد القصف المتبادل، تتأكد حقيقة واحدة في بيروت: الصيغة القديمة التي كان الحزب يقرّر بموجبها متى تبدأ الحرب، وتتحمل الدولة تبعاتها، باتت على المحكّ. أما ما إذا كانت التطورات المقبلة ستقود إلى إعادة ترتيب الداخل اللبناني أو إلى انقسام أعمق، فسيبقى رهناً بالأيام القادمة… وبما تسفر عنه ساحة الجنوب من نارٍ وسياسة.
دبي وأبوظبي بين وهم الأمان وواقع الحرب: الأثرياء يفرون والرياض تصبح بوابة النجاة
إلى أين تصل “الموجة الارتدادية” لحرب إيران وأمريكا؟ 10 دول في مهب الحرب بين واشنطن وإيران.. من لبنان إلى الخليج

