وطن-في مشهدٍ يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، تجاوزت إيران جميع الخطوط الحمراء التي كانت تضبط ردودها على الاستفزازات الأمريكية والإسرائيلية. فبعد مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، في غارةٍ إسرائيلية ضخمة استهدفت مقره بطهران، باتت البلاد أمام مرحلة جديدة عنوانها “لا تراجع ولا خوف من المواجهة”، بحسب تعبير مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في طهران.
اعتُبر الهجوم الذي نُفذ نهاية الأسبوع الماضي، بتنسيقٍ استخباراتي قيل إن الولايات المتحدة شاركت فيه، الشرارة الأولى لحربٍ أمريكية-إسرائيلية مفتوحة على إيران، رغم أن طهران كانت قدّمت مقترحًا تفاوضيًا مهمًا خلال مفاوضات جنيف الأخيرة. ورغم تبرير واشنطن للعملية بوصفها “ضربة وقائية”، فإن أجهزة استخباراتها نفسها أقرت بعدم وجود أي مؤشرات على هجوم وشيك من إيران، ما أثار تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية لتفجير الحرب في هذا التوقيت.
من الوقاية إلى التورط
لم يُخف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن بلاده انساقت إلى المواجهة “منعًا لتداعيات ردٍّ إيراني على إسرائيل”. تصريحٌ فُسّر على أنه إقرار غير مباشر بأن واشنطن دخلت الحرب بدافع الخشية على مصالحها لا بدافع الضرورة العسكرية، الأمر الذي جعل كثيرين يرون في هذه الحرب خيارًا سياسيًا أكثر منه دفاعيًا.
لكن السؤال الذي حيّر المراقبين هو سبب بقاء خامنئي في مقره المعروف، رغم إدراكه لخطورة المرحلة. مصادر إيرانية تشير إلى أنه رفض مغادرة مكان إقامته المعتاد مفضّلًا “الثبات في وجه القدر”، في إشارةٍ فُسرت على أنها قبولٌ بالشهادة إن كانت في سبيل المبدأ، بينما لم يُعرف ما إذا كان مستشاروه الذين قضوا معه قد اتخذوا الموقف ذاته.
“الخطيئة الأصلية”: دعم فلسطين
بعد أسبوع من اندلاع الحرب، يصعب التنبؤ بمآلاتها، لكن بدا واضحًا أن تفاديها كان مستحيلًا من دون تقديم تنازلات جوهرية للولايات المتحدة وإسرائيل. فالمشكلة، بحسب مقربين من دوائر القرار الإيرانية، لا تتعلق بالبرنامج النووي ولا بالصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي، بل بما يُعرف في طهران بـ”الخطيئة الأصلية” — أي تمسك إيران بقضية فلسطين ورفضها التخلي عنها تحت أي ظرف.
وتبدو المفاوضات الأخيرة التي استُعرضت في جنيف، كما تقول مصادر سياسية، مجرد غطاء لعدوانٍ كان يُحضّر مسبقًا، في سيناريو مشابه لما حدث خلال حرب يونيو القصيرة قبل ثمانية أشهر. غير أن القيادة الإيرانية كانت هذه المرة أكثر استعدادًا، مدركة أن الصراع سيكون طويلًا وله تبعات عميقة على الإقليم بأكمله.
إيران بلا قيود… والخليج في الحسبان
مقتل خامنئي، وما تلاه من تدمير مبنى “مجلس خبراء القيادة” المكلّف باختيار خليفة له، شكّل نقطة تحول في نهج طهران. فكل القواعد القديمة سقطت، وأعلنت إيران أن أيّ دولة تستضيف قواعد أمريكية باتت هدفًا مشروعًا للردّ. وبهذا، دخلت دول الخليج في معادلة أمنية جديدة، بعدما كانت تراهن على الحياد الظاهري مقابل تجنب الغضب الإيراني رغم استضافة القواعد التي تُطلق منها الهجمات.
أما هدف تغيير النظام الإيراني الذي طالما صوّرته واشنطن وتل أبيب كغاية نهائية، فيبدو بعيد المنال. فبينما تتبدل أهداف الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية باستمرار، تسعى إيران إلى هدف واحد ثابت: الصمود والبقاء.
انتصارات مؤقتة وسرديات متقلبة
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان “الانتصارات السريعة” التي أعلنها قادة تل أبيب وواشنطن في حروب سابقة. بعد هجوم يونيو الماضي، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلنا “تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل”، إلا أن فشل المفاوضات اللاحقة كشف أن ما جرى لم يكن أكثر من انتصارٍ إعلامي مؤقت.
المحلل الإسرائيلي جدعون ليفي علّق حينها ساخرًا بأن “زئير الأسد تحوّل إلى صرير فأر”، في إشارةٍ إلى المبالغة في تصوير النجاح العسكري. واليوم، تتكرر السردية ذاتها بعبارات مختلفة، بينما تظل النتائج العملية موضع شكّ لدى الخبراء.
كلفة اقتصادية عالمية
بينما تتأرجح الأسواق العالمية وترتفع أسعار النفط والغاز، تبدأ تداعيات الحرب بالانعكاس على الحياة اليومية في أنحاء العالم. فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى التخفيف المؤقت من عقوباتها على النفط الروسي لإتاحة شرائه للهند، في خطوةٍ تُظهر حجم الارتباك في سياسات الطاقة.
في الوقت نفسه، تفكر بعض دول الخليج بإعادة تقييم استثماراتها الخارجية للتخفيف من الضغوط المالية المتزايدة، وهي خطوة قد تؤثر بشدة في الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا مع اقتراب موسم الشتاء المقبل وسط مخاوف من نقص حاد في الطاقة. ويرى مراقبون أن اندلاع الحرب في نهاية الشتاء الحالي كان “ضربة حظٍ جيوسياسية”، إذ لو جاءت قبل ذلك لأحدثت أزمة طاقة خانقة عالمية.
رهان طهران: استنزاف طويل الأمد
تتحرك القيادة الإيرانية اليوم وفق منطق “الاستنزاف البطيء”، مستفيدة من خبرتها في تحمل العقوبات والحصار الاقتصادي منذ أكثر من أربعة عقود. فاستراتيجيتها تقوم على إنهاك خصومها عبر سلسلة طويلة من الردود المحدودة والمتفرقة، دون خوض مواجهة شاملة تُفقدها قدرتها على الصمود.
ويشبّه خبراء هذا النهج بما يسمى “الموت بألف ضربة”، حيث تفتح طهران جبهات متعددة صغيرة في الوقت الذي تراقب فيه تراجع حماس خصومها مع مرور الوقت.
لكن هذه اللعبة محفوفة بالمخاطر، إذ تعتمد نجاحها على مدى استعداد قوى كروسيا أو الصين لدعم الموقف الإيراني. ولا يزال الغموض يحيط بموقف بكين، خصوصًا مع الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي إلى الصين نهاية الشهر، والتي يُتوقع أن تكشف بعض ملامح الموقف الدولي من هذه الأزمة.
مستقبل غامض لمنطقة مأزومة
بين تصاعد المخاطر وانعدام الرؤية السياسية، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة غير مسبوقة من التحولات. فالتوازنات القديمة تتهاوى، والاصطفافات الجديدة لم تتشكل بعد، بينما يدفع العالم الثمن في شكل ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وتراجع الثقة بالاستقرار الدولي.
ويبقى السؤال المحوري: إلى متى يمكن للمنطقة والعالم تحمل هذا القدر من الاضطراب الأمني والاقتصادي؟
وربما يحمل الزمن بعض الإجابة، لكن المؤكد أن إيران – كما أثبتت تجارب العقود الماضية – تعرف كيف تنتظر، بينما يسارع خصومها إلى إعلان “نصر” لا يلبث أن يتبدد.
اقرأ أيضاً
ترامب يرفع سقف التحدي: “الاستسلام غير المشروط” هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب على إيران
زلزال الحرب في إيران يضرب استقرار البحرين: قلق من توسع رقعة “الاضطرابات المدنية”
انتقادات داخلية في واشنطن لحرب ترامب ضد إيران: غياب الاستراتيجية والخطط الواضحة يثير القلق












