وطن-لم تتوقف المحاولات السياسية والإعلامية الرامية إلى عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي على مدار العقود الماضية. فقد سعت جهات متعددة إلى ترسيخ سردية مفادها أن فلسطين لم تعد تمثل قضية مركزية للعرب، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي العام في المنطقة.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، ظهرت حملات منظمة روجت لخطاب يدعو إلى الابتعاد عن القضية الفلسطينية، من أبرزها انتشار وسم “فلسطين ليست قضيتي”، الذي سعى إلى تكريس فكرة أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي شأن محلي لا يخص العالم العربي.
لكن هذه الرواية واجهت اختبارًا حقيقيًا خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، حيث جرى الترويج مجددًا لفكرة أن المواجهة ليست سوى امتداد لصراع إقليمي تقوده إيران، وأن الفصائل الفلسطينية تتحرك ضمن أجندة خارجية. وذهبت بعض الخطابات إلى تصوير غزة وكأنها جزء من النفوذ الإيراني في المنطقة.
غزة تفند الرواية
غير أن الأحداث على الأرض قدّمت رواية مغايرة. ففي ذروة العمليات العسكرية وما رافقها من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، برزت أصوات فلسطينية من داخل قطاع غزة تدين بشكل صريح القصف الإيراني الذي استهدف دولًا خليجية.
وقد عكست هذه المواقف خطابًا فلسطينيًا واضحًا يؤكد أن غزة ليست تابعًا لأي طرف إقليمي، وأن القرار الفلسطيني مستقل ويستند إلى أولويات محلية تتعلق بالصراع مع إسرائيل. كما أظهرت تلك التصريحات تمسكًا بالانتماء العربي ورفضًا لتحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة ضمن صراعات إقليمية أوسع.
قرار الحرب
تشير مجريات الحرب كذلك إلى أن مسار الأحداث انطلق أساسًا من داخل القطاع نفسه. فالتطورات الميدانية أظهرت أن قرار المواجهة لم يكن نتيجة توجيه مباشر من دولة خارجية، بل جاء في سياق حسابات الفصائل الفلسطينية على الأرض.
وفي المقابل، وجد اللاعبون الإقليميون أنفسهم أمام واقع ميداني فرضته التطورات داخل غزة، ما أدى إلى انخراط بعض الأطراف في مسار التصعيد رغم محاولات سابقة لتجنب الانجرار إلى مواجهة واسعة.
تمسك بالهوية
منذ النكبة عام 1948، حافظ الفلسطينيون على تمسك قوي بهويتهم العربية والإسلامية، رغم التحولات السياسية في المنطقة وتبدل مواقف بعض الأنظمة العربية.
وبينما شهدت العقود الماضية فترات من الخذلان السياسي والتراجع في الدعم الرسمي، بقيت قطاعات واسعة من الفلسطينيين تؤكد أن قضيتهم جزء من محيطها العربي، وأن نضالهم لا يمكن اختزاله في تحالفات إقليمية أو صراعات دولية.
رسالة غزة
في خضم هذه التطورات، تبرز غزة مرة أخرى كمركز رمزي في الخطاب الفلسطيني المعاصر. فبالنسبة لكثيرين، تمثل المدينة مساحة يتقاطع فيها البعد الوطني مع البعد العربي والإسلامي، ما يجعلها حاضرة بقوة في النقاش السياسي حول مستقبل القضية الفلسطينية.
ومع استمرار الحرب وتداعياتها، تظل الرسالة التي تخرج من القطاع واضحة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين: أن القضية الفلسطينية لا تزال مرتبطة بعمقها العربي، وأن محاولات فصلها عن هذا السياق تواجه رفضًا مستمرًا على الأرض.
اقرأ المزيد
تحت غطاء “حرب إيران”.. تصاعد هجمات المستوطنين يخلف 3 شهداء فلسطينيين بالضفة
سلاحنا هو بقاؤنا.. قراءة في الرفض الشعبي الفلسطيني لمقترحات “التجريد من السلاح”
مخطط إسرائيلي جديد: كيف تسعى تل أبيب لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية عبر خنق الضفة؟












